http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

تختلف الآراء حول أوضاع الصين في الوقت الراهن. فهناك من يتوقع أن تمرالصين بأوضاع اقتصادية صعبة بالمقارنة مع الأعوام الماضية. وهناك من يتوقعأن تستدرج الصين إلى توترات إقليمية تعرقل صعودها الدولي. في كافة الحالاتكانت الورقة الأولى التي أصدرتها الحكومة الصينية حول سياستها العربية قبلأسابيع عملاً مهماً ومفيداً. فالورقة رسمت إطاراً موفقاً للعلاقاتالصينية-العربية، وهي تصلح أساساً للتباحث والتفاوض حول هذه العلاقات. كماأن المسؤولين الصينيين لن يجدوا أفضل منها لكي يستعين بها الرئيس الصيني شيجين بينغ في جولاته المقبلة في المنطقة العربية. تستحق «ورقة الصين العربية» أن يدرسها أهل القرار في العواصم العربيةباهتمام، وأن يبدوا ملاحظاتهم عليها بعناية، وأن يأخذوها في الاعتبار وهميخاطبون الصين. وفي هذه الحال من السهل على المرء أن يدرك أن هناك فرقاًواضحاً بين دولة صديقة مثل الصين، تمد يدها إلى العرب، ودول أخرى كبرى لاتأبه كثيراً لبناء الصداقات مع الدول العربية، ولا تقيم وزناً كبيراًلمخاوف العرب ومشاغلهم الأمنية والحياتية، ولا تحنّ، كما تفعل بكين، إلىالتاريخ المشترك الذي يمتد إلى آلاف السنوات، والقريب الذي لا تزال ذكراهحية في الخاطر. كما تتضمن الورقة تذكيراً بالحضارات المشتركة، فإنها تركز على التعاونالصيني-العربي في الحاضر والمستقبل وتتطلع إلى يوم يتحقق فيه السلم بينوداخل الدول العربية. وتدعو الورقة إلى تأسيس العلاقات الدولية على قاعدةالنفع المتبادل بدلاً من أنماط العلاقة القديمة القائمة على «الصفرية» بحيثما تربحه دولة تخسره أخرى والعكس. والنفع الذي تسعى الورقة إلى تحقيقه لاينحصر في مجال الربح المادي فقط بل يشمل الغنى الروحي والثقافي والعلميوالابداعي. وإذ يلمس المرء في ورقة الصين مشاعر ودية وتضامنية مع العرب،فإنه يتساءل عما إذا كانت الدول العربية اليوم مهيأة للتجاوب مع الرغباتالصينية المعلنة. إن الصين تتحرك اليوم وكأنها أشعة ليزر مصوبة بدقة بالغةالإحكام إلى أهدافها التنموية، فهل تستطيع الدول العربية ملاقاتها في هذاالمسار؟ هل تتمكن هذه الدول من الاستفادة من الفرص التي تقدمها لها الصين،أم تضيع هذه الفرص في غمرة الحروب والانهيارات السياسية والأمنيةوالأخلاقية التي تتعرض لها المنطقة العربية؟لقد قدمت ورقة الصين كماً واسعاً من المشاريع ومن مجالات التفاهم والتعاضدمع العرب، يصعب حصرها في مقال قصير، ولكن هذا لا يمنع من اختيار عيناترئيسية منها تأكيداً على أهمية عروض التعاون التي تقدمها بكين للدولالعربية. ولعل أهم هذه العينات ما يتصل أساساً وقبل أي شيء آخر في اختيارنمط العلاقة بين الصين والدول العربية. وتدعو الصين هنا الدول العربية إلىقيام علاقات ذات طابع استراتيجي بين الطرفين. بل إن الورقة تنوه بأن هذهالدعوة ليست جديدة، فقد استخدمت لأول مرة بين الدول العربية والصين عام 2004 عندما تأسس منتدى الحوار الاستراتيجي العربي-الصيني، ومنذ ذلك التاريخوهذا المصطلح قيد الاستخدام في العلاقات بين الجانبين وفي مناسبات عدة. ولكن ما نلمسه في الورقة أن الصين اليوم تقترح على الدول العربية علاقة مننوع استراتيجي جديد، أي أنه من النوع الذي يسمح للطرفين بتوظيف طاقات «فاعلة» في خدمة الهدف الاستراتيجي. فضلاً عن ذلك فإنه في الوقت الذي تدعوبكين إلى قيام علاقات صينية-عربية، فإنها لا تشترط على أية دولة عربية أنتتخلى عن علاقاتها الوطيدة مع الدول الأخرى الكبرى. هذا الموقف المرن يمنحالدول العربية الفرصة لكي ترفع علاقاتها مع الصين إلى مستوى استراتيجيحقيقي. أما إذا تلكأت الدول العربية في النظر إلى العروض والمشاريع الصينيةوالاستجابة إلى ما يفيد المصالح المشتركة بين الطرفين، وإذا خاطبت هذهالدول الصين بينما هي تريد من وراء هذه المخاطبة الضغط على دول الغرب حتىتكف عن توجيه الانتقادات إلى الدول العربية، فإن الأرجح أن تفوتها فرصةالاستفادة من هذه العروض. من العينات الرئيسية للمشاريع والمواقف التي تستحق التوقف والتأمل هوالموقف تجاه القضايا العربية الوطنية وأهمها قضية فلسطين وقضية العملالعربي الجماعي. على الصعيد الفلسطيني تنتقي الورقة بدقة كلمات المؤتمراتوالمؤسسات الشرعية الفلسطينية لكي تعلن مساندتها لقيام دولة فلسطينيةعاصمتها القدس الشرقية وذات سيادة كاملة على أرض فلسطين على أساس حدود عام 1967. إلى جانب ذلك تؤكد الورقة دعم الصين الجهود التي تبذلها الدولالعربية من أجل تعزيز وترسيخ وحدتها وتوطيد تجارب الحوكمة الجماعية في هذهالدول. هنا أيضاً نجد أن هذا الموقف جيد وجدير بالتنويه لأنه ليس جديداًولم يتنازل عنه الصينيون. ولكن هذا الموقف اليوم، على أهميته المطلقة، يمثلفرصة ضائعة. فالصين بخير ولكن الجسم الفلسطيني منقسم على نفسه انقساماًغير قابل للعلاج. وهي أيضاً فرصة ضائعة لأن مؤسسات العمل العربي المشترك هيأيضا عرضة للشلل وللانقسام. أخيراً لا آخراً، فإن من العينات التي تستحق الاهتمام والتي تقدمها بكينإلى الدول العربية مشروع الصين التاريخي لاعادة بناء طريق الحرير منأراضيها وصولاً إلى أوروبا. وتمر هذه الطريقة عبر ثلاث مناطق رئيسية: الأولى هي الطريق الشمالية التي تنتقل من الصين عبر جمهوريات آسيا الوسطىثم إلى بحر قزوين والبحر الأسود، والطريق الجنوبية الغربية التي تمر عبرتايلاند والتيبيت وبنغلادش، وأخيراً الطريق الجنوبية التي تمر عبر الدولالعربية وباكستان. تعبر الورقة الصينية عن التزام بكين بالعمل على بناء هذا الطريق العظيمبراً وبحراً. لقد نشر العرب، مع غيرهم من الشعوب، حضارة زاهرة بخاصة بينالقرنين الثامن والثاني عشر فانتعشت التجارة بحيث تحول الدرهم العربي إلىالنقد الدولي لذلك العصر، وانتشرت الزراعة بأساليبها المتجددة في الأراضيالتي مر بها طريق الحرير، وازدانت المدن بالعمران والفنون ومظاهر الإبداع. أما اليوم فإن الصين على استعداد للإسهام الاستراتيجي مع الدول العربية،كما تقول الورقة في تعمير «البنى التحتية، تسهيل التجارة والاستثماراتوالمال، وتنمية الزراعة والطاقة والعمل على توفير الخير والتقدم لشعوبنامعاً». أثبتت الصين أنها قادرة على أن تنفذ الكثير من وعودها. السرعة التي انضمتبها دول أوروبا الكبرى إلى «البنك الصيني للبنى التحتية» بعد تأسيسه خلالالأسابيع الماضية تقدم دليلاً ملموساً على صدقية الصين. ولكننا هنا أيضاًنقف أمام فرصة ضائعة تتمثل في الحروب الهمجية التي تجتاح المنطقة. إن هذهالحروب إذا استمرت لن تضع حداً لمشروع طريق الحرير، ولكن من الأرجح أنهاستحث المسؤولين الصينيين على إعادة النظر في خريطة الطريق بحيث تمر عبرالمسارين الشمالي والجنوبي الغربي، أما المسار الجنوبي، الذي يضم الدولالعربية فإنه من المستبعد أن يقرب طريق الحرير في المستقبل المنظور. لعله يقال تعقيباً على بعض محتويات ورقة سياسة الصين العربية أنه «ما ينفعالمرء لو ربح العالم وخسر نفسه». وقد يكون هذا التعليق الأخير في محله لولاأن الدولة المعنية هي الصين وما تعبر عنه تجاه الدول العربية، وما يتجمعفي يديها من طاقات وقدرات تؤثر بها على المجتمع الدولي. إن الصين لا تحولالمنتصر إلى مهزوم، والجسيم العليل إلى جسم صحيح ولكنها تستطيع أن تساعدبصورة أكثر فاعلية على إنقاذ المنطقة العربية من حروبها، فإذا شفيت كانباستطاعتها أن تستجيب لنداءات ورقة الصين العربية، أي أن تنهض المنطقةالعربية من عثرتها وأن تتعاون مع الصين على بناء عالم سلم وأمانوازدهار.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube