http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

أنهى الأسبوع الماضي الرئيس الأميركي باراك أوباما، جولة آسيوية شملتاليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا والفيليبين، وذلك بهدف طمأنة تلك الدولإلى تصميم واشنطن على الوقوف إلى جانبها. وقدم أوباما في طوكيو دعماً حازماً لليابان في خلافها مع الصين حول جزرسنكاكو، علماً أن بكين ترسل بانتظام سفنها الحربية إلى محيط جزر سنكاكو منذأممت طوكيو تلك الجزر الاستراتيجية في أيلول (سبتمبر) 2012. وقد تخوف المراقبون من احتمال وقوع نزاع مسلح، في حال استمرت التحرشاتالاستفزازية الصينية في تحدي اليابان، خصوصاً أن الرئيس الأميركي رحببإطلاق يد الجيش الياباني للتعاون في شكل أوثق مع القوات البحريةالأميركية، الأمر الذي قد يورط اليابان بصراعات مسلحة مع الصين. وفي هذا السياق، قرر وزير الدفاع الياباني إرسال محطة مراقبة إلى جزيرةتبعد ١٥٠ كيلومتراً عن الجزر المتنازع عليها مع بكين. وترى الأمم المتحدةأن إنشاء قاعدة رادار فوق الجزيرة القريبة من عدوتها التاريخية، يمكن أنيوسع نشاطاتها إلى أكثر مما هو مسموح. وفي ضوء ذلك التغيير، أعلنت القيادةالصينية نشر أسطولها البحري بطريقة تمنع الأسطول الأميركي من الهيمنة علىغرب الأوقيانوس الباسيفيكي. وفي تصورها أن تلك الخطة العسكرية ستضعف حلقاتالتحالف مع الولايات المتحدة، وتدفع اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبينإلى الوقوف على الحياد. والهدف من كل هذا هو إضعاف قبضة واشنطن داخلالمواقع الآسيوية الحساسة، الأمر الذي يمنحها الفرصة لسد الفراغ الأمني. وعلى وقع ذلك التحول، رصدت طوكيو سلسلة تحركات مريبة قامت بها الصين حينضاعفت عمليات الاستفزاز، وأعلنت عن إنشاء مجلس الأمن القومي. ومثل ذلكالتحول أثر في أسلوبها الإعلامي بحيث تبدلت لهجة التخاطب مع الجارات، وحلتمحلها لهجة التشاوف والمكابرة واستذكارها منجزات الماضي السحيق. أي الماضيالذي يرجع إلى خمسة آلاف سنة. وعليه، بررت لنفسها عملية احتلال التيبتوالاستيلاء على إقليم كيسينغيانغ. يجمع المراقبون وخبراء الاقتصاد على القول إن حاجة الصين من النفط ومشتقاتهدفعتها إلى التعاون مع السعودية وإيران. كما دفعتها إلى فتح أسواقلمنتجاتها الصناعية… وإلى غزو أدغال أفريقيا وتعزيز الروابط التجارية معدول القارة السمراء. لهذه الأسباب وسواها، استثمرت الصين في الزراعة مساحات شاسعة من أراضيالكاميرون وموزمبيق وأوغندا وتنزانيا والسودان وإثيوبيا وزامبيا والكونغوالديموقراطية. وترى القيادة الصينية أن أفريقيا تحتوي على ثروات من المعادن النادرة تشكلما نسبته أكثر من ثلث احتياطي ثروات المناجم في العالم. وعلى سبيل المثل،فإن النيجر والصومال وناميبيا وأفريقيا الوسطى… كل هذه الدول تملك أكبرمخزون لمادة اليورانيوم. كذلك تتوافر في القارة السوداء ما نسبته خُمساحتياطي العالم من الماس والذهب. قبل سنوات عدة، قام وزير خارجية الصين بجولة طويلة شملت أربع دول أفريقيةهي إثيوبيا وجيبوتي وغانا والسنغال. وكان الهدف من تلك الجولة حماية السفنالصينية من القراصنة الذين يتعرضون للبحارة في خليج عدن ومضيق باب المندب. وقد باشر عمله بزيارة جيبوتي كونها تمثل البوابة البحرية لشرق أفريقيا. ومع أن فرنسا والولايات المتحدة تحتفظان بقاعدتين عسكريتين في جيبوتي، إلاأن الصين عرضت أن تمثل دور البديل في المنافسة القائمة بين الدول. ولوحظ فيهذا السياق أن جيبوتي أصبحت محطة الترانزيت من أجل تزويد السفن الصينيةبالوقود. وبما أن بور سودان في السودان تحول إلى عملية ابتزاز متواصلة، فقداستعاضت عنه بكين بإنشاء ميناء في كينيا لتصدير نفط جنوب السودان. ونظراً إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعانيها إثيوبيا، فقد أنجدتهاالصين بقرض قيمته 17 بليون دولار، صرفت نصفه على توسيع مطاراتها. أما بالنسبة لغانا، فإن أهميتها تنبع من كونها إحدى الدول للمنتجة النفط،إضافة إلى أنها ثاني أكبر دولة منتجة للذهب بعد دولة جنوب أفريقيا. لذلك،سارعت الصين للاستثمار في هذه الدولة الواعدة، بحيث بلغت صادرات الصينإليها أكثر من 5 بلايين دولار. وعلى رغم عامل اللغة في السنغال (فرانكوفون) فإن الصين نجحت في أن تكونأكبر شريك تجاري عبر تنفيذ سلسة مشاريع بينها مطار العاصمة داكار، وبناءمستشفى للأطفال والتخطيط لبناء مجمعات رياضية. مصادر الأمم المتحدة تعزو اهتمام الصين بأفريقيا إلى عوامل سياسيةواقتصادية عدة: أولاً – عقب مؤتمر باندونغ سنة 1955، حرصت بكين على تأمين حصولها على تأييدالدول الأفريقية في مواجهة حكومة فرموزا (تايوان)، وكانت بهذا التوجه تسعىإلى أن تكون وحدها الممثل الشرعي للشعب الصيني. ثانياً – عرضت الصين نفسها كمعارضة للأسلوب الاستعماري الذي أنهك القارة،وقدمت سياستها كدولة منقذة من نير الدول الأوروبية، مثال ذلك أن جيبوتيكانت خاضعة للنفوذ الفرنسي. في حين كانت غانا خاضعة للتاج البريطاني. وبفضلهذا الأسلوب، نجحت بكين في إحداث اختراق تجاري أكسبها تأييد الدولالأفريقية. ثالثاً – في نهاية سنة 2012، وقعت الصين اتفاقيات تجارية واقتصادية وصناعيةمع 32 دولة أفريقية، ثم قامت بإنشاء لجان اقتصادية مشتركة مع 45 دولة. إضافة إلى هذا، فإن حجم التجارة لسنة 2013 وصل إلى مئتي بليون دولار. رابعاً – الملفت في هذا الموضوع أن الشركات الصينية تحاشت التورط مع الحكامفي الأمور السياسية، واكتفت بأن قدّمت خدماتها للشعب في صور مشاريع تتعلقبالبنية التحتية والرعاية الصحية والمنح الدراسية وكل ما يهم المواطنالعادي، ولهذا كسبت محبة الناس. تقول دراسة أجرتها أخيراً الأمم المتحدة أن عدد سكان أفريقيا تجاوز البليوننسمة، وأن الطبقة الوسطى تمثل حالياً أكثر من 300 مليون شخص. وتشيرالدراسة أيضاً إلى ظهور نيجيريا كأكبر بلد أفريقي من حيث عدد السكان (170مليون نسمة). كما أنه يعتبر أول منتج أفريقي للنفط، مع إجمالي ناتج داخليبلغ السنة الماضية 510 بلايين دولار. إلا أن الخبراء يرون أن هذه الأرقام يجب ألا تفسر على أنها دليل تنمية، حيثإن جنوب أفريقيا تتقدم نيجيريا كثيراً بالنسبة لحصة الفرد من إجماليالناتج المحلي والبنى التحتية وحسن الإدارة. ففي حين ينعم جزء صغير من سكاننيجيريا بثراء فاحش، فإن الغالبية العظمى من أبناء الشعب تعيش بأقل مندولارين في اليوم. كل هذا يترافق مع شح في مياه الشرب، وانقطاع متواصلللتيار الكهربائي، واستشراء للفساد في مختلف جوانب الحياة. بالنسبة لـ «الربيع العربي» فإن الصين اتخذت موقفاً غير محايد، وانضمت إلىروسيا في مجلس الأمن، أي أنها وقفت مع النظام السوري ضد المعارضة. ولكنهافي أزمة الشرق الأوسط، تخلت عن الموقف الذي اتخذه ماوتسي تونغ طوال أربعينسنة تقريباً. وفي آخر السنة الماضية أرسلت بكين وزير خارجيتها إلى إسرائيلفي زيارة انتقدتها الدول العربية بشدة. وفي لقائه مع المسؤولين في تل أبيب، شدد الوزير الصيني على أهمية العلاقاتالاستراتيجية بين البلدين، ثم عرض مشروع سكة الحديد التي ستربط آسيابأوروبا. كما تحدث أيضاً عن مشروع ربط ميناء إيلات على البحر الأحمر بميناءأشدود على البحر المتوسط. يقول المؤرخون إن قادة إسرائيل خفضوا حجم علاقاتهم ببريطانيا فور حصولهمعلى قرار تقسيم فلسطين. وبرر بن غوريون ذلك العمل بالقول إن إسرائيل تبنيسياستها الخارجية على التقرب من أقوى دولة في العالم خلال مرحلة معينة. وكان بهذا الكلام يشير إلى انسحاب اسرائيل من تحت المظلة البريطانية بعد أنساعدته لندن على استثمار وعد بلفور، وإدخال المهاجرين. وأرسى بن غوريون،في هذا المجال، قاعدة سياسية مفادها «اعتماد بلاده الدائم على أقوى دولة فيالعالم». وهذا ما يفسر انسحابه من تحت مظلة الحماية البريطانية… إلىالتحالف مع الولايات المتحدة. واليوم بدأت إسرائيل تتعاون مع الصين منذ ظهور الدولة الآسيوية الكبرى كقوةمناهضة للقوة الأميركية. وقد دشنت هذه العلاقة بتزويد بكين بأهم أسرارالتكنولوجيا المتطورة التي يحتفظ بها البنتاغون، وكان الجاسوس بولارد هوالذي قام بالمهمة المعهودة. في حديثه إلى الإعلام الإسرائيلي، لمح وزير خارجية الصين إلى طموحات بلادهالهادفة إلى السيطرة على المحيطات الثلاثة. وذكر في هذا السياق أن بلادهباشرت في تطوير ميناء عدن، كجزء من مشروع منظومة الموانئ التي تنشئها منبحر الصين إلى الساحل الأفريقي في السودان. ويتوقع المراقبون أن تتطور هذه الحرب الصامتة بين الصين والولايات المتحدةإلى حرب معلنة ضمن صراع للسيطرة على الطرق البحرية التي كانت تسيطر عليهابريطانيا (العظمى) قبل الحرب العالمية الثانية. وعندما انهارت بريطانيا،تنافست الدول على وراثة مواقعها الاستراتيجية. واليوم، يلوح الصراع الأميركي – الصيني كمعركة عالمية من معارك القرنالواحد والعشرين!

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube