http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيّر العالم بتدخله الصاعق في الحربالسورية. أسئلة بديهية حول أبعاد الخطوة الروسية ومراميها طرحت، ليس بينبشر عاديين مثلنا فحسب، بل، أيضا، من قبل لاعبين رئيسيين في الساحةالدولية. غموض السياسة الروسية أدّى إلى تباين التكهنات بشأنها، وتضاربها، على نحولا سابق له. فمن قائل إن روسيا تنفذ اتفاقا روسيا أميركيا لإنهاء الحربالسورية وفرض حل متفق عليه سرّا بين الجبّارين، إلى قائل، بعكس ذلك، بأنبوتين أرسل طائراته وقواته ليتحدّى الغرب، الذي يسعى إلى عزل بلاده فيالشرق الأوسط وفي العالم. ردّ البعض التدخل الروسي إلى المزاج الشخصي لبوتين، الذي يكره الحركاتالشعبية ويتمسك تمسكا مطلقا بالجيوش والحكومات المركزية، مما يفسّر حماستهلدعم نظام الرئيس بشار الأسد وحمايته. فلا تغيب عن ذاكرة بوتين تلك الليلةالرهيبة التي شاهد فيها بأمّ العين هجوم حشود الألمان على مركز البوليسالسري لألمانيا الشرقية Stasi في مدينة درسدن، بعد شهر من هدم جدار برلين. كان بوتين وقتها ضابطا شابا يخدم في مركز للمخابرات السوفياتية على بعدمئات الأقدام فقط من موقع الحدث، الذي، ورغم سلميته، استقرّ في ذاكرة بوتينسلوكا خطيرا و «مسعورا» لم يتمكن من نسيانه طيلة حياته. وقد تكرّر المشهدأمامه في الاحتجاجات التي سرّعت انهيار الاتحاد السوفياتي والفراغ الرهيبالذي أعقبه. محللون آخرون قالوا إن أهداف القيصر الجديد أبعد من الذكريات والمواقفالشخصية، فهو يسترجع الحلم الامبراطوري الروسي بالوصول إلى المياه الدافئة. حساسية بوتين المرهفة ضد الثورات الشعبية، والفوضى، ليست كافية لحدث بحجمالتدخل الجاري في سوريا، وما استتبعه من قلب لمعادلات دولية في المنطقةراسخة منذ ربع قرن. أما حلم الوصول إلى البحر المتوسّط فليس هذا أوانه علىالإطلاق. لأن هذا التوسّع، الذي عجزت عنه روسيا القيصرية في أفضل أيامها،لا يمكن أن تقوم به إلا دولة غنية ومقتدرة، فيما تعيش روسيا اليوم أسوأالظروف الاقتصادية ويقترب اقتصادها من الاختناق. الاقتصاد الروسي هو في عين العاصفة، وقد دخل مرحلة الركود. إنه ضحيّةالعقوبات الغربية والانخفاض السريع في سعر النفط، انخفاضا مفهوما ومشبوهافي آن معا. إن الاعتماد الكبير على النفط هو من أبرز العيوب الهيكلية فيالاقتصاد الروسي، حيث يمثل قطاع النفط 25% من الناتج المحلي و70% منالصادرات ونصف إيرادات الدولة الاتحادية. التراجع مستمرّ والمؤشرات إلى مزيد من التدهور، مما يعني أن الاقتصادالروسي لم يصل إلى قعر الأزمة حتى الآن. إنه يعيش أسوأ أوضاعه منذ خمس عشرةسنة، تاريخ وصول فلاديمير بوتين إلى رأس السلطة في الكرملين. توقعتالمؤسّسات المالية الدولية انكماش الناتج المحلي القائم بحدود 3.5% سنة 2015، بعد نموّ ضعيف في العام الذي سبق، بسبب انخفاض القوّة الشرائيةوارتفاع كلفة التمويل وضعف الثقة بالاقتصاد، وهروب رؤوس الأموال. سفيرالفدرالية الروسية للإحصاء Rosstat نشرت في آب الماضي أرقاما مخيفة عننتائج الفصل الثاني من العام الجاري، حيث أظهرت أن الناتج المحلي الاتحاديكان بين شهري نيسان وحزيران أقل بنسبة 4.6% من مستواه في الفترة المماثلةمن العام الماضي. خسر الروبل خلال عام 43% من سعره في سوق القطع تجاه الدولار الأميركيوتجاوز اليورو سقف 75 روبلا، مما أشعل أسعار المواد المستوردة ووجّه ضربةقوية إلى القدرة الشرائية والاستهلاك. يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغالتضخم في العام الحالي 18%. وتأثرت المؤسّسات الخاصّة سلبا بتشديد شروط الإقراض، منذ نهاية العامالماضي، من قبل المصرف المركزي الروسي، بقصد لجم التدهور في سوق القطعوحماية سعر صرف الروبل. ألحقت الأزمة أضرارا فادحة بالقطاع المصرفي الروسيوتسببت بخسائر كبيرة لمؤسّساته، مما أجبر الدولة على وضع برنامج لدعمالمصارف. خطوة فلاديمير بوتين باتجاه سوريا هي مبادرة جريئة وخطوة موفقة على رقعةالشطرنج. لقد فرض على الغرب حقائق جديدة بأسلوب يتميّز بالكبرياء والاعتدادبالنفس، ولكنها خطوة دفاعية بقالب هجومي. فهو يريد تفاوضا مع الغرب يزيح عن كاهل روسيا الحصار الاقتصادي الذييهدّدها بالاختناق، ولا تستطيع الخروج منه إلا بقرار غربي. وهو يريد أنيجبر الغرب على الاعتراف بدور بلاده وحصتها في السياسة الدولية، بديلا منالإهمال والتجاهل وأساليب الخداع، التي أخرجتها من ليبيا والعراق. ويهدفبوتين، أيضا، إلى فتح معركة استباقية مع تنظيمات إسلامية متشدّدة لا يشكلحظة أن معركتها المقبلة هي في قلب الجمهوريات الإسلامية في الاتحادالروسي. وحتى يحقق الرئيس الروسي أهدافه هذه لا بدّ من نجاح مغامرته السورية، عنطريق شدّ أزر النظام ومساعدة جيشه على استعادة المبادرة في الجبهاتالحساسة، فيتمكن من المشاركة في مفاوضات الحلّ السياسي طرفا قويا وكاملالشرعية. وبذلك، يكون لروسيا حليف سياسي وقاعدة عسكرية شرق البحر المتوسّط. إنها مغامرة. فقد يقبل الغرب بالتفاوض لحل على قاعدة التصوّر الروسي ويعترفلروسيا بمكاسب مهمّة، أو يعرقل خطة بوتين، فيطول أمد الصراع ويستمرّ تدميرسوريا، ومعها المشرق العربي، تماما كما ترغب اسرائيل.

 السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube