http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

آخر ما كان يمكن للمرء أن يتوقعه، أو يخطر على قلب العارفين ببواطنالولايات المتحدة، أن يأتي اليوم الذي يشعر فيه الرأسماليون، ولا سيماالمحافظين الجدد والقدامى على حد سواء، بالخوف من الاشتراكية والاشتراكيينالأميركيين، ومقدرات وصولهم إلى مقاعد الحكم في البلد المغرق في رأسماليته،الذي أشار إليه الرئيس ترمب الأيام الماضية بأنه لن يكون أبداً بلداًاشتراكياً. خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ السنوي، الذي جرت وقائعه قرب واشنطن، كانترمب يعلن أنه سيوقّع أمراً تنفيذياً يطالب فيه الجامعات والكليات فيبلاده بدعم «حرية التعبير» في الحرم الجامعي، لئلا يحرمها من تمويل اتحادي،ويؤكد رفض إبدال «الحلم الأميركي» بـ«الكابوس الاشتراكي». لماذا الجامعات الأميركية تحديداً؟ وهل هناك ما يقلق النخبة الأميركيةالحاكمة بشكل أكثر تخصيصاً من شباب الأمة وتوجهاتهم السياسية في قادمالأيام؟قبل الجواب، تنبغي الإشارة إلى أنه ليس سراً القول؛ إن ثقة الشارع الأميركيبأحزابه وجماعاته السياسية لم تعد عالية، وإن هناك حالة من عدم اليقينالسياسي تجاه مقدرة الحزبين الكبيرين على قيادة البلاد إلى برّ الأمان. وربما كان هذا هو السبب الرئيسي الذي فتح الطريق أمام ترمب للوصول إلىالبيت الأبيض، ولا سيما أن الرجل لم تتلوث يداه من قبل بأعمال السياسة،وكذا الديمقراطية التي باتت تباع على الأرصفة وعند زوايا جماعات الضغطالمتعددة الأشكال والأسماء. في هذا السياق والنطاق السياسي الملتبس، بدا وكأن هناك «انقلاباًمفاهيمياً» عند نسبة عالية من الشباب، بدأت تتوجه صوب ما يعرف بالاشتراكية،التي تؤكد الطابع الديمقراطي لميولها السياسية. لسنا هنا إذن في معرض الحديث عن شيوعية تاريخية بغيضة، تجاوزها الزمنوالأحداث، بل عن اشتراكية تؤمن بإقامة حياة اقتصادية لا مركزية، وتعارضجميع الحركات السياسية الاستبدادية والتسلطية كالستالينية، وعندهم أنالانتخابات الديمقراطية النزيهة كفيلة بالانتقال من الرأسمالية التي سحقتومحقت الإنسان، إلى النظام الاشتراكي الديمقراطي الأكثر عدالة. هذه الأفكار بدرجة أو بأخرى، كانت مطاردة في خمسينات القرن الماضيوستيناته. وتجربة «المكارثية الأميركية» قائمة خلف الباب، تُذكر الأميركيينبالصراع الذي جرى في البلاد في تلك الآونة. وبات السؤال الآن؛ هل يعيدالتاريخ نفسه؟الأرقام أصدق إنباءً من التحليلات! إن جاز القول، وهي التي أزعجت المحافظينالأميركيين في المؤتمر الأخير، وقد جاء بها استطلاع للرأي، عبر معهد غالوبالأميركي الشهير، الذي أظهر أن 51 في المائة ممن تتراوح أعمارهم بين 18و29 سنة من الأميركيين باتوا يمتلكون رؤية إيجابية للاشتراكية… هلالمخاوف جدية هذه المرة، ونحن على بعد 20 شهراً من الانتخابات الرئاسيةالأميركية، التي يبدو أن المرشح الاشتراكي بيرني ساندرز سيكون أحد فرسانهاالمتقدمين؟يصف ساندرز نفسه بـ«الاشتراكي الديمقراطي»، ومع حالة الاهتراء التي أصابتالنسيج المجتمعي الأميركي في الأعوام القليلة الفائتة، تبدو حظوظ الرجلمتصاعدة، ولا سيما أنه يتبنى حملة تعيد لمّ الشمل الأميركي، وتعصب الجروحاتالتي تسببت بها قرارات سياسية ذات مسحة رأسمالية متطرفة، فهو صاحب رؤيةالعلاج الصحي للجميع، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى ما يسميه «أجراً يمكنالعيش منه»، عطفاً على إيمانه العميق بضرورة مكافحة التغير المناخي. وبإجمالي المشهد، فإن ساندرز يسعى إلى حملة تركز على إحداث تحول في أميركا،وتشكيل حكومة قائمة على مبادئ العدالة الاقتصادية والاجتماعية والعرقيةوالبيئية. بدا المحافظون والرأسماليون الأميركيون بالفعل مؤخراً منزعجين من تقدمساندرز، فقد جمع الرجل نحو 4 ملايين دولار خلال 12 ساعة من إعلان عزمه خوضالانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، ليس هذا فحسب، بل بلغ عدد مشاهداتفيديو ساندرز بترشيح نفسه أكثر من 6 ملايين مشاهدة، وتلقى نحو 330 ألفتأييد ومباركة، وهو ثلث الرقم المستهدف لتحقيق «حملة شعبية تاريخية وغيرمسبوقة». وفي حال النظر إلى أن النسبة التي أشار إليها الاستطلاع المتقدم بين الشبابالأميركي والذين يعدون القاعدة الاجتماعية لساندرز، فإن مآلات الانتخاباتالرئاسية المقبلة تبدو بالفعل مثيرة للترقب والتأمل، وبخاصة مع صعودسياسيين أميركيين شباب إلى مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، ومناداتهم بتوجهاتاشتراكية اقتصادية، مثل رفع الضرائب وتقليص ثروات الأغنياء، أي نشوءوارتقاء جناح يساري أميركي، باتت تمثله اليوم عضو مجلس النواب السيدةألكسندرا أوكاسيو، وفريق يدانيها في أفكارها. يعنّ لنا أن نتساءل؛ هل المخاوف من أزمة اقتصادية طاحنة أخرى قادمة فيالداخل الأميركي هي السبب الرئيسي وراء تلك الصحوة الاشتراكية الأميركية؟قد تكون الأزمة المالية 2008 هي التي فتحت أعين الأميركيين على إعادة قراءةخطوط وحظوظ اقتصاد السوق الحر بالمرة، وليس سراً أن هناك إعادة قراءة تجريللأدبيات الاقتصادية لكارل ماركس في الداخل الأميركي على أيدي مفكرينوفلاسفة أميركيين معاصرين من المنظمة الديمقراطية الاشتراكية الأميركية،النتاج الحي للحزب الاشتراكي الأميركي منذ العام 1973. وقد حدث ما يمكن أن نطلق عليه «ثغرة في الوعي الرأسمالي الأميركي» منذ عقد،تمثل في ظهور حركة «احتلوا وول ستريت»، بشعارها الشهير «نحن الـ99 فيالمائة» في إشارة لا تخطئها العين لخطيئة الرأسمالية الأميركية المميتة، لاالعرضية، أي امتلاك واحد في المائة من سكان الإمبراطورية المنفلتة لـ99 فيالمائة من ثروات أميركا. هل ستفلح صيحات المحافظين الجمهوريين، واتهاماتهم للديمقراطيين بانحرافهمنحو اليسار، في تغيير مسار الأحداث، واستخدام الاشتراكية فزاعة لدى عمومالأميركيين؟الشاهد أن المقاربة الحدية التي يطرحها الجمهوريون، أي حتمية الخيار بينالحرية والاشتراكية، لم تعد تنطلي على شباب جيل الألفية الأميركية… ماذاعن هذا الجيل، وقدرته على تغيير مساقات أميركا التاريخية؟

سبيكتر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube