http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
أقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس (وهو رئيس فتح والسلطة والمنظمة!) على خطوة جد صريحة وجريئة، وإن جاءت جد متأخّرة، أيضا، تمثلت بإعلانه مباشرة (في كلمة ألقاها في اجتماع “المجلس الثوري” لفتح عقد مؤخرا)، بأنه إذا استمر الوضع الداخلي في “فتح” على ما هو عليه فسيكون “على الحركة السلام”؛ فيما بدا وكأنه بمثابة تمهيد لنعي رسمي للحركة، من قائدها بذاته.

ويمكن إدراج هذا التصريح في قائمة التصريحات “الجريئة” والمباشرة التي اعتاد أبو مازن على إلقائها، بين مرحلة وأخرى في الساحة الفلسطينية. فهو نعى مبكرا الكفاح المسلح، وتحدث عن اتفاق أوسلو باعتباره مقامرة أو مغامرة (منذ انعقاد هذا الاتفاق عام 1993)، ووجه انتقادات لاذعة للانتفاضة الثانية، بسبب طغيان العمليات المسلحة عليها، كما انتقد أسلوب الزعيم الراحل ياسر عرفات، في التفرد بالقيادة وفي كيفية إدارة العمل الفلسطيني. ومعلوم أن أبو مازن تحدث مؤخرا، وكثيرا، عن انسداد أفق المفاوضات وعن عزمه على تقديم استقالته، أو عدم الترشح لانتخابات رئاسية جديدة، كما تحدث عن أفول حل الدولتين لصالح حل الدولة الواحدة؛ وكلها انتقادات ووجهات نظر لا يمكن أن تمر في أوساط فتح، ومناصريها، لو أنها جاءت من خارجها.

لكن المشكلة لا تكمن في هذه الانتقادات بحد ذاتها، ولا في صحتها من عدم ذلك، وإنما تكمن في أنها غالبا ما تأتي متأخرة، وأنها تأتي من رجل يعتبر من أهم صناع السياسات في الساحة الفلسطينية، وأن هذا الرجل لايعمل من موقعه (في الرئاسات الثلاث) على إحداث تغييرات حقيقية وملائمة في مسارات التجربة الوطنية الفلسطينية، وأنه يطلق هذه التصريحات لتوظيفات داخلية معينة، أو لتمرير سياسات آنية ومحددة.

مع ذلك فإن أهمية تصريحات أبو مازن إنها تؤكد المؤكد، وأنها تعلم من لايريد أن يعلم، بحقيقة تدهور الأوضاع في فتح والساحة الفلسطينية، ما يؤكد على أن هذه الساحة باتت على عتبة انعطافة نوعية، تودع ما قبلها، وتمهد لمرحلة جديدة، أو لتجربة مغايرة.

معلوم أن “فتح”، منذ انعقاد مؤتمرها السادس (2009)، لم تتمكن من انجاز المراجعة النقدية المفترضة، لسياساتها وأوضاعها وأشكال عملها، ولم تستطع استنهاض قواها، ولا استعادة طابعها كحركة تحرر وطني، بعد أن طغى عليها طابعها كحركة سلطوية، بل على العكس من ذلك فإن مكانتها تزداد تهمشا، ودورها يزداد تراجعا،في الساحة الفلسطينية، بصورة أكبر من ذي قبل.

وكانت “فتح” تملصّت، في مؤتمرها المذكور، من هكذا مراجعة خشية انفراط عقدها، وللكلفة السياسية والتنظيمية والأخلاقية الباهظة، التي يمكن أن تنجم عنها، بخاصة أن قيادة هذه الحركة، كما هو معلوم، لم تشجع يوما على مراجعة التجربة الوطنية الفلسطينية؛ بمختلف مجالاتها: السياسية والعسكرية والتفاوضية والانتفاضية والتنظيمية، وفي كل محطاتها، من الأردن إلى لبنان إلى الأراضي المحتلة، وعلى كل المستويات: المنظمة والسلطة والفصائل والمنظمات الشعبية والمؤسسات التمثيلية والمركزية.

ويمكن تفسير هذا الأمر بإدراك المعنيين لحقيقة أن أية مراجعة نقدية، جادة ومسؤولة، للتجربة الماضية، يمكن أن تودي، أو أن تخلخل، الطبقة السياسية المسيطرة على العمل الفلسطيني، منذ انطلاقته في أواسط الستينيات!

فضلا عما تقدم، يمكن التدليل على تآكل هشاشة مكانة “فتح” بتأجيل الانتخابات المحلية، بسبب عدم توافق قيادات هذه الحركة على قوائم انتخابية موحدة، وخشية من تكرار تجربة الانتخابات التشريعية (لعام 2006)، والتي هزمت فيهافتح” أمام “حماس”؛ ما يؤكد أن هذه الحركة لم تتعظ من تجاربها المريرة. كذلك يمكن أن ندلل على ذلك بعدم تبلور مرجعية سياسية موحدة لفتح، واستمرار الترهل والتسيب والتآكل في بناها. وأخيرا فإن اكبر دليل على ما ذهبنا إليه هو ضعف النقاش السياسي في “فتح”، وانشغال قيادييها بالمواقع السياسية وبالمناصب الوزارية، وبترتيب موازين القوى في الحركة والسلطة، مع السعي لمناكفة حكومة فياض، بمبرر ومن دونه؛ إلى درجة اعتباره بأنه يأكل من رصيدفتح“!

هكذا، ومع أن أبو مازن جاء بوعود التغيير والقيادة الجماعية والمكاشفة والمحاسبة، إلا انه لم يستطع شيئا في هذا الاتجاه، فعلى عكس ذلك إذ تكرست في عهده ظواهر التكتلات والمعسكرات، داخل حركته. أيضا فقد اسهم أبو مازن في تحويل المؤتمر إلى مجرد مظاهرة، أو مهرجان، وانتخب بالإجماع (برفع الأيدي!)، واستمر في ترؤس المناصب الثلاث (رئاسة فتح والسلطة والمنظمة)، وهو فقط عمل على تنظيم الخلافات داخل “فتح”، من دون أن ينجح في استنهاض هذه الحركة، التي لم يعد لها هوية سياسية ونضالية خاصة بها، عدا عن هويتها كحركة سلطوية، وعدا عن تراثها الماضي.

باختصار فإن تجربة حركة فتح، كظاهرة سياسية، تؤكد على مسارات غيرها من الظواهر السياسية، فهذه الظواهر إما إنها تتغير وتتكيف مع تغير وتحول الظروف الذاتية والبيئات المحيطة بها، ما يؤهلها للاستمرار، وإما إنها تبقى على حالها، في جمود مقيم، عصية على التطور، وغير قادرة على استيعاب المتغيرات والتعامل مع التحولات الحاصلة، ما يودي بها إلى التآكل والاضمحلال، عاجلا، أم آجلا.

اللافت أن حركة فتح ليس إنها لم تؤهل نفسها لمواكبة التطورات السياسية والمجتمعية الحاصلة في المجتمع الفلسطيني، ولم تقم بدراسة تجربتها، ولم تتعظ من الإخفاقات والأثمان الباهظة التي تكبدتها، وتكبدها بشكل أكبر الشعب الفلسطيني، بل إنها، فوق كل ما تقدم، نكصت حتى عن بداياتها، بتخليها عن روحها كحركة وطنية تعددية، وعن وضعها كحركة نضالية تمثل مشروع التحرر الوطني لمجمل الشعب الفلسطيني. وفي كل ذلك لم تعد حركة “فتح” هي ذاتها، وإنما أصبحت ظاهرة سياسية أخرى، بعدما باتت مجرد حزب للسلطة، وبعدما باتت متعلقة بأفق المفاوضات المسدود، وبعد أن باتت تعبر عن طبقة سياسية مهيمنة. وفي كل ذلك فإن مآل “فتح” لايختلف عن مآل غيرها من الحركات أو الظواهر السياسية المماثلة، مع فارق مهم أن هذه الحركة لم تنجز مشروعها الوطني بعد.

الآن، ليس الغرض من هذا الكلام الاستنتاج بأن “فتح” بوضعها الراهن انتهت، فهذه الحركة بوضعها الراهن ستستمر، لأسباب ذاتية وموضوعية، برغم ابتعادها عن طبيعتها، أو عن معناها. كذلك ليس الغرض من هذا الكلام الاستنتاج بأنه لم يعد ثمة حاجة لفتح في الساحة الفلسطينية، بل على العكس، ذلك أن أوضاع هذه الساحة تؤكد أنها بحاجة ماسة لحركة وطنية تعددية، تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، سواء كان اسمها “فتح”، أو غير ذلك؛ وبديهي فإن هذا الأمر برسم التاريخ، أو برسم التفاعلات السياسية والمجتمعية. م ايست اون لاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube