http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

أنتج الأميركيون على مر العقود الماضية، مجموعة كبيرة من الأفلاموالمسلسلات التي تمتدح قدرة أجهزتهم الاستخباراتية والأمنية على التصدّيلمحاولات اختراق أنظمتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية من جانب السوفياتوحلفائهم في مرحلة أولى، ثم من جانب الروس بعد انهيار «حلف وارسو»، فيتضخيم مقصود لمحاولات من جانب هؤلاء، وعبر روايات استندت الى وقائع وأحداثعايشوا بعضها مثل اكتشاف الجواسيس واعتقالهم أو قتلهم أو نجاحهم في الفراروانشقاقهم. لكن ربما لم يكن يخطر على بالهم يوماً، أن يشهدوا عملياً مايشبه تلك الافلام، من دون ان يكونوا قادرين على مواجهته والتصدي لنتائجه،او حتى التأكد من حقيقته. وبين تلك الأفلام والمسلسلات ما يتناول خططاً سوفياتية وروسية معقدةلاختراق مراكز القرار في الولايات المتحدة، سواء عبر تجنيد المسؤولينالأميركيين أنفسهم، أو عبر «بدلاء» يشبهونهم ويحلّون مكانهم بعد خطفهموتصفيتهم، أو عبر تربية فتيان وفتيات روس منذ الصغر وفق نمط الحياةالأميركي ثم دسّهم في المجتمع الأميركي بهدف وحيد هو جمع المعلومات. وكُتبت نصوص معظم هذا الإنتاج استناداً الى ملفات وكالات الاستخبارات،خصوصاً «سي آي أي»، وتداخل فيها الواقع بالخيال، لكن الغالبية الساحقة منهاانتهت بـ «انتصار» الأميركيين، بعدما أبرزت «ذكاءهم الخارق» في كشف ألاعيبالعدو وأساليبه، ومقارعته بالمثل عبر زرع عشرات العملاء داخل روسيا والدولالمتحالفة معها. واليوم، تتهم «سي آي أي» نفسها موسكو بالتدخل سراً فيالانتخابات الرئاسية الأميركية، وتسهيل انتخاب دونالد ترامب، عبر قرصنةمواقع إلكترونية أميركية، بينها موقع «الحزب الديموقراطي» الأميركيومراسلات مرشحته الى الرئاسة هيلاري كلينتون، وتسريب محتواها الى موقع «ويكيليكس» الذي نشرها. هذا الاتهام الذي نفاه ترامب ورد في تقرير للوكالة سُرِّب الى الصحف بعدماأمر الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما بإجراء «تحقيق معمق» في احتمال أنيكون الروس وراء عملية القرصنة والتسريب، وأعلن الكونغرس أنه سيعقد جلساتاستماع حول المسألة. وأشعل هذا الملف مخيّلة الأميركيين وألهب وسائل التواصل الاجتماعي بينمعارضي ترامب ومناصريه، وبين متّهميه بأنه «عميل» روسي وآخرين يرون فيه «منقذاً» للجنس الأبيض، ما دفع بعض المعلّقين الى طرح الأسئلة: ما الذي دفعأوباما الى الأمر بإجراء التحقيق في هذا الوقت، أي قبل ستة أسابيع منمغادرته البيت الأبيض وبعد أكثر من شهر على انتهاء الانتخابات، ولماذاأبلغت «سي آي أي» في هذا الوقت فقط المسؤولين بأنها سبق أن أجرت تحقيقها فيالقضية، ولماذا لم تبلغ الوكالة الرئيس بما توصلت إليه، ولماذا لم تتقاسممعلوماتها مع «مكتب التحقيقات الفيديرالي» (أف بي آي)، وكيف علم ترامب أنالروس غير متورطين، ولماذا تدخل الكونغرس؟ وجاء اختيار ترامب رئيس مجلسإدارة عملاق النفط «إكسون موبيل»، ريكس تيلرسون، المعروف بعلاقاته الوثيقةمع روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، وزيراً للخارجية، ليغذي الجدل، ويضفينوعاً من الصدقية على اتهامات «سي آي أي»، ويعزز فرضية «المؤامرة» التيتواجهها الدولة العظمى، خصوصاً بعد حملة التشكيك في صحة الاختيار، التيشارك فيها قادة جمهوريون. وسواء كانت قضية التدخل الروسي من نسج الخيال أو تنطوي على جانب من الصحة،فإن النتيجة الوحيدة المؤكدة هي أن روسيا في عهد بوتين باتت عاملاً شديدالتأثير في الداخل الأميركي، مثلما كانت الولايات المتحدة عاملاً مؤثراً فيالداخل السوفياتي. إنه انقلاب الأدوار والمراحل.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube