http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

كانت الإجراءات الأمنية في “المدينة المحرّمة” على الناحية المقابلة للشارع من “قاعة الشعب الكبرى” مشددة في آذار/مارس عندما تم تنصيب لي كه تشيانغ رئيساً لوزراء الصين. إلا أن الحراس الذين ارتدوا الزي الموحد لم يكونوا مسلحين بأسلحة آلية، وإنما جُهزوا بطفايات حريق لمنع المحتجين المحتملين من حرق أنفسهم.

تمر الصين هذه الأيام بمخاوف تتعلق بالاستقرار الداخلي. ورغم هذا الانشغال المحلي، إلا أن الشهية المتزايدة لـ “المملكة الوسطى” للحصول على نفط الخليج الفارسي قد أشعلت المصالح الصينية غير المسبوقة في الشرق الأوسط. ويعود ذلك أيضاً، جزئياً، إلى “توجه واشنطن نحو آسيا” وتراجع الاعتماد الأمريكي على نفط الخليج العربي.

أثناء رحلة قمتُ بها مؤخراً إلى الصين، أمضيت أسبوعاً أتحدث مع المحللين بشأن “الربيع العربي” والديناميكيات الاستراتيجية المتغيرة في الشرق الأوسط. وفي مناقشات اتسمت بالصراحة المفاجئة، وصف خبراء صينيون في شؤون المنطقة — العديد منهم تكلم اللغة العربية بصورة جيدة — وجهة نظر متطورة حول المشاركة الصينية في هذا الجزء المضطرب من العالم الذي طالما تجنبته الدولة.

تستورد الصين نحو 55 بالمائة من نفطها من الخليج العربي، كما تستفيد منذ فترة طويلة من المظلة الأمنية الأمريكية هناك. وقد ذهب أحد المحللين الصينيين إلى حد وصف تواجد حاملة الطائرات الأمريكية المتمركزة في الخليج منذ فترة طويلة بأنه يخدم “الصالح العام”. لكن بكين مهتمة هذه الأيام بتعهد إدارة أوباما بتخفيض التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط وما يعنيه ذلك بالنسبة لأمن الطاقة والأمن الإقليمي. وعلى مقربة من البلاد، يشعر الصينيون بالقلق من تأثير تصاعد الإسلام السياسي على سكان الدولة الجامحين من المسلمين في المحافظة الغربية شينجيانغ الغنية بالغاز.

وتقر المراكز البحثية الصينية بأن “جيش التحرير الشعبي” ليس قادراً بعد على لعب دور أمني في الشرق الأوسط. وإذا نظرنا إلى أول عملية انتشار للبحرية خارج آسيا — وهي مهمة تمثلت بقيام ثلاث سفن بأعمال المرافقة لمقاومة القرصنة في خليج عدن — نلاحظ أنها قد حدثت قبل أقل من خمس سنوات، واعتبرتها التقارير آنذاك بأنها كانت منهكة للقوات. وقد قيل لي أنه حتى لو كان “جيش التحرير الشعبي” قادراً على نشر قواته في المنطقة، إلا أن واشنطن لن ترغب في “فسح المجال” للصين في الخليج.

لكن الصينيين الذين تحدثت إليهم يعترفون بمرارة بأن “جمهورية الصين الشعبية” ستضطر في نهاية الأمر إلى بدء لعب دور أكبر في الشرق الأوسط. وحسبما ذكر أحد الباحثين “الصين دولة قوية لكنها لا تتصرف وفقاً لذلك”.

وفي حين لن تساهم الصين قريباً بأية طريقة مجدية في الحفاظ على الأمن في المنطقة، إلا أنها تعمل منذ فترة على زيادة تواجدها هناك، بما في ذلك نشر قوات حفظ السلام التابعة لوحدات الأمم المتحدة في السودان ولبنان. كما أنها تمهد الطريق لقيام تواجد عسكري إقليمي أكثر قوة، منشئة ما يطلق عليه شبكة تضم سلسلة من اللآلئ من القواعد البحرية، تمتد من آسيا إلى الخليج الفارسي.

كما أن بكين تزيد من نفوذها وأهميتها في المنطقة بطرق أخرى فقد عينت الصين مبعوثها الخاص الأول للشرق الأوسط. وعلى الرغم من الاستثمارات الضخمة في قطاع الطاقة الإيراني، التزمت الصين حتى الآن بالعقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ضد طهران لإثناء الملالي عن تطوير سلاح نووي.

كما تُبرز الصين قوتها الناعمة في الشرق الأوسط، حيث تبذل جهوداً ملموسة لزيادة التجارة والاستثمارات، لا سيما في قطاع الطاقة. كما تتفاوض الصين حالياً مع دول “مجلس التعاون الخليجي” على اتفاقية تجارة حرة. وتقوم الشركات الصينية المملوكة للدولة ببناء مصافي مشتركة في المملكة العربية السعودية كما نجحت في تأمين عقود لبناء مساجد — بما في ذلك ضريح بقيمة 1.5 مليار دولار — في الجزائر الغنية بالنفط.

وهذا النشاط الجديد يدفعه الإيثار. فأولوية الصين تكمن في تأمين استمرار الوصول إلى قطاع الطاقة في الشرق الأوسط. وفي الوقت ذاته، لا تريد بكين أن تصبح إيران دولة نووية. لكن الأهم من ذلك أنها ترغب في تجنب نشوب نزاع مع واشنطن بشأن العقوبات.

كما أن الدروس المستفادة من ليبيا كانت باعثة لها على توخي الحذر. فقد تضررت الصين لاحقاً جراء امتناعها عن التصويت على قرار مجلس الأمن عام 2011 الذي سمح بتدخل عسكري دولي من أجل “حماية” الشعب الليبي والذي تم استغلاله لاحقاً للإطاحة بمعمر القذافي. والأسوأ من ذلك أنه تعين إجلاء 40,000 عامل صيني أثناء تلك الثورة، كما أن الأقسام القنصلية والسياسية في طرابلس لم ترقى إلى مستوى المسؤولية. وفي أعقاب الانهيار التام الذي تعرضت له ليبيا، قد تزيد الصين من تمثيلها الدبلوماسي في المنطقة.

وفي حين قد تعزز واشنطن سفاراتها وتواجدها العسكري الوليد في الشرق الأوسط، إلا أنه لا يبدو أن هناك أي مؤشرات على أن الصين سوف تعيد تقييم إسهاماتها المالية الشحيحة في المنطقة. ويقول المفكرون الصينيون إن بكين قلقة من [انعدام] الاستقرار في مصر، لكن من الصعب معرفة ذلك. وفي الصيف الماضي، سافر الرئيس المصري محمد مرسي إلى الصين بحثاً عن مساعدات اقتصادية. وقد عاد إلى وطنه بمنحة لا ترد بقيمة 70 مليون دولار فقط، وهي أقل من قيمة العقد الأخير للاعب كرة السلة الأمريكي من فريق لوس أنجلس ليكرز كوبي براينت.

ومن غير المرجح أن تسهم الصين قريباً في تعزيز الاستقرار في المنطقة. وبدلاً من ذلك، قالت افتتاحية لـ “وكالة أنباء الصين الجديدة” الرسمية بتاريخ 20 آذار/مارس، بأن ما يحتاجه الشرق الأوسط هو “يد العون من قوى عظمى مسؤولة وبنَّاءة” مثل واشنطن. ومما يدعو للأسف أنه بدون الجهود الأمريكية المتضافرة لإقناع بكين بمنح مساعدات للدول العربية المترنحة ودعم اتخاذ تدابير قوية من قبل مجلس الأمن ضد طهران، فستظل “المملكة الوسطى” فاعلاً هامشياً في الشرق الأوسط المضطرب.

وعلى أي حال، تدرك الصين أن الالتزامات الأمريكية تجاه اليابان وكوريا الجنوبية — وهما دولتان تعتمدان على طاقة الخليج — سوف تُلزمان واشنطن بضمان الأمن في الشرق الأوسط لفترة طويلة. وقد قيل لي إنه حتى بعد أن أثارت الصحوة العربية مخاوف الصين بشأن الاستقرار وأمن الطاقة والإسلام السياسي، إلا أن بكين راضية في الوقت الحالي على أن تظل “راكباً بالمجان”.معهد واشنطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube