http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي نهاية ثمانينات القرن العشرين، تطور تيارأكاديمي واسع النطاق داخل الولايات المتحدة، ربط بين صعود الصين، وتحولهاإلى مصدر تهديد للنظام العالمي. وقد نجح هذا التيار في إنتاج مجموعة منالأدبيات العلمية المتراكمة عُرفت بـ «نظرية التهديد الصيني» (China threat theory). وعلى رغم الانتقادات الكثيرة التي وُجهت إلى هذه «النظرية»، إلاأنها نجحت في الحفاظ على درجة كبيرة من التعقيد والتماسك خلال العقودالسابقة. وقد وجدت «نظرية التهديد الصيني» أول تجسيد لها داخل الولايات المتحدة عام 1988 في أعمال إحدى اللجان المكلفة آنذاك وضع استراتيجية أميركية طويلةالأمد، حيث انتهت إلى أن الصين ستصبح القوة العسكرية الثالثة بعد الولاياتالمتحدة والاتحاد السوفياتي بحلول عام 2010. ومع أهمية هذه اللجنةونتائجها، ظل إدراك الصين كمصدر للتهديد محصوراً داخل نطاق محدود، ولم يبدأفي الانتشار على نطاق واسع داخل الجماعة الأكاديمية المعنية بالدراساتالأمنية إلا في بداية تسعينات القرن الماضي، وتحديداً عام 1992، كرد فعللعاملين أساسيين. أولهما، بدء موجة النمو المتسارع للاقتصاد الصيني في ذلكالوقت، وثانيهما انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة. فقد تبعذلك انشغال الجماعة الأكاديمية الأميركية بمحاولة تقديم إجابة عن تساؤلينأساسيين: ما هو الأثر المتوقع لصعود الصين؟ وما هي السياسة الأميركيةالمثلى للتعامل مع هذا الصعود؟ وعرضت الجماعة الأكاديمية في هذا الإطارإجابات كثيرة. كذلك شهدت أدبيات هذه «النظرية» دفعاً كبيراً مع تحول عدد من التقاريروالدوريات العلمية خلال النصف الأول من التسعينات إلى استخدام «الأسعارالمعيارية الدولية» (SIP)، والتي عرفت لاحقاً بـ «تعادل القوة الشرائية» (PPP)، كطريقة لتقدير حجم الناتج المحلي الإجمالي وحجم الإنفاق العسكري. وعلى سبيل المثل، أدى اعتماد تقرير The Military Balance (العدد 1993 – 1994) الذي يصدره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، لهذه الطريقة إلىارتفاع تقدير حجم الإنفاق العسكري الصيني في ذلك العام إلى أربعة أمثالقيمته في العام السابق. كما تبع سلسلة التدريبات العسكرية والتجاربالصاروخية التي أجرتها الصين بالقرب من خليج تايوان في منتصف التسعينات،وكرد فعل لنشر الولايات المتحدة حاملتي طائرات بالقرب من المضيق، ظهور موجةأكثر حدة من الكتابات الأميركية في إطار هذه «النظرية». وعلى رغم حدوث تراجع نسبي لنظرية «التهديد الصيني» داخل الولايات المتحدةفي بعض الأوقات على خلفية تحولات داخلية أو دولية محددة، إلا أنها لم تؤدإلى انتهاء تلك النظرية، وسرعان ما كانت تعود كواحدة من القضايا الرئيسيةعلى أجندة الباحثين والأكاديميين الأميركيين. من ذلك، على سبيل المثل،اتجاه إدارة كلينتون في نهاية التسعينات إلى بناء «شراكة استراتيجية» معالصين، وما تبع ذلك من تراجع نسبي لهذه النظرية. لكنها سرعان ما عادت مرةأخرى وبقوة خلال فترة كلينتون الثانية مع اتهام الصين بالتجسس العسكري،ومحاولة الولايات المتحدة تعطيل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية،والتوتر بين البلدين على خلفية العلاقة مع تايوان. كذلك، أدت هيمنة قضيةالحرب ضد الإرهاب على أجندة السياسة الخارجية الأميركية والسياسة العالميةعقب أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، إلى تراجع نسبي في أدبيات «نظرية التهديدالصيني»، لكنها لم تختف تماماً. ومرة أخرى، ومع تراجع أولوية قضية الحرب ضدالإرهاب على أجندة الولايات المتحدة عام 2005، خصوصاً على خلفية الكلفةالمادية والبشرية الضخمة للتورط العسكري في أفغانستان والعراق وتواضعالنتائج الإجمالية لهذه الحرب، سرعان ما عادت أدبيات «نظرية التهديدالصيني» إلى الصعود لتبدأ موجة جديدة من الكتابات الأميركية في هذا المجال. وفي شكل عام، هناك ثلاث نظريات عامة تطورت في إطارها مقولات «التهديدالصيني»، هي النظرية الواقعية، والمؤسسية، ونظرية «السلام الديموقراطي». النظرية «الواقعية»، تعتمد في تفسيرها سلوك الدول على عاملين رئيسين، هماالقدرات المادية للدولة (الاقتصادية والعسكرية)، مقاسة بالحجم المطلق لهذهالقدرات، وحجم هذه القدرات مقارنة بالقوى الأخرى داخل النظام الدولي، أو مايعرف بالقدرات النسبية، وعامل «النوايا» intentions، مقاساً بطبيعة سلوكالدولة. واستناداً إلى هذه النظرية، تذهب فئة من أدبيات «نظرية التهديدالصيني» إلى أن الصين باتت تمثل تهديداً للمصالح الأميركية وللنظام العالميبفعل تزايد حجم القدرات النسبية للصين داخل النظام العالمي في مواجهةالولايات المتحدة، نتيجة التغيرات الهيكلية التي شهدها هذا النظام عقبانهيار الاتحاد السوفياتي، وتزايد حجم القدرات الاقتصادية والعسكريةالمطلقة، نتيجة استمرار النمو الاقتصادي، وعمليات التحديث العسكري، وأخيراًبفعل تنامي الإدراك السلبي للنوايا الصينية. وقد لعبت المدرسة الواقعيةدوراً كبيراً في تعميق «نظرية التهديد الصيني» ونشرها، على خلفية استقرارالنظام الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة، إذ يسعى القطب المهيمنعلى النظام إلى منع ظهور أي أقطاب دولية أخرى، ما يدفعه إلى التعامل مع دولالصف الثاني باعتبارها مصادر مهمة لتهديد استقرار النظام العالمي. وبعكس الواقعية، ترى «النظرية المؤسسية» أن الفاعلين المحليين ذوي المصلحةهم الذين يلعبون الدور الرئيسي في تطور الإدراك بأن فاعلاً دولياً ما يمثلتهديداً، مدفوعين في ذلك بسعيهم إلى الحفاظ على مصالحهم المؤسسية والمادية،يساعدهم في ذلك غموض النصوص القانونية المحددة أدوار هؤلاء الفاعلين. فيهذا الإطار، تذهب هذه المدرسة إلى أن انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاءالحرب الباردة، استتبعهما تحول مماثل في توجهات عدد من جماعات المصلحةوالفاعلين الداخليين داخل الولايات المتحدة في اتجاه تصنيف الصين كمصدررئيس للتهديد، كمدخل للحفاظ على المصالح المادية والسياسية لهؤلاءالفاعلين، مؤسسات أو أفراداً. وأخيراً، تستند نظرية السلام الديموقراطي، إلى طبيعة النظام السياسيللفاعلين الدوليين كمتغير رئيس في تحديد طبيعة التهديد. والمقولة الرئيسيةهنا أن الديموقراطيات لا تسعى إلى الحرب، سواء بفعل القيود والضوابطالمؤسسية، المتمثلة في تعقيدات وآليات عملية صنع القرار داخل النظمالديموقراطية، أو بفعل القيم الديموقراطية التي تميل بطبيعتها إلى تفضيلالتفاوض والتسوية السلمية للنزاعات. لذلك، فإن القيادات السياسية داخلالنظم الديموقراطية تجد صعوبة كبيرة في تبرير الهزيمة في الحرب وكلفتهاالمادية والبشرية، ما قد يكلفها الخروج من السلطة في أقرب انتخابات بعدالحرب، بعكس النظم غير الديموقراطية حيث لا تجد القيادات السياسية مثل هذهالصعوبات، نتيجة ما تتسم به عملية صنع قرار الحرب من سرية وسرعة وعدمشفافية، فضلاً عن ضعف المساءلة. وهكذا، مالت مدرسة «السلام الديموقراطي» إلى ربط «التهديد» الصيني بطبيعة النظام السياسي الصيني. على رغم ما تبدو عليه مقولات نظرية «التهديد الصيني» من تماسك، وقدرتها علىالبقاء طوال العقود الثلاثة الماضية، فالنظرية تعاني مشكلات هيكلية باتتشديدة الوضوح خلال السنوات الأخيرة، سواء بفعل السلوك الأميركي أو السلوكالصيني ذاته. فعلى الجانب الأميركي، لا يمكن إغفال دور المتغيرات ومصالحبعض القوى والفاعلين الداخليين الأميركيين في انتشار هذه النظرية، وهو ماكشفته الكتابات الأميركية التي استندت إلى مقولات النظرية المؤسسية المشارإليها سابقاً (جماعات المصلحة الاقتصادية والتجارية، والمجمع العسكريالصناعي…). لكن الأمر الأهم الذي يحتاج إلى تفسير هو لماذا راجت نظرية «التهديد الصيني» داخل الولايات المتحدة في الأساس؟ ما يشير إلى ارتباطانتشار النظرية بعوامل ذاتية ومصلحية أكثر منها موضوعية. في المقابل، وعلى مستوى السلوك الصيني، فإن تحليل هذا السلوك على مدىالعقود السابقة، لا يشير إلى ما يؤسس لهذه النظرية. ففي مقابل سياسة التدخلالعسكري الأميركي في عدد من الدول، والتي انتهت بانهيارها وتدميراقتصاداتها وجيوشها الوطنية، أو زيف الادعاءات الأميركية بإعادة بناء هذهالدول، ما زالت الصين تتمسك بمبدأ عدم التدخل والتمسك بالمفهوم التقليديللسيادة. وفي مقابل الانسحاب الأميركي من بعض الأطر المتعددة الطرف، مثلالانسحاب من اتفاق تغير المناخ، واتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، والمجلسالأممي لحقوق الإنسان، ما زالت الصين تعلن تمسكها بالعولمة، وبمفهوم «مجتمع المصير المشترك»، الذي أصبح من المفردات المهمة في الخطاب الصينيالعالمي. وفي مقابل الإصرار الأميركي على مبدأ «مسؤولية الحماية» الذي يتماستخدامه كذريعة للتدخل العسكري، ما زالت الصين تعلن تمسكها بهذا المبدأوهذه المسؤولية أيضاً ولكن بدافع ومضمون اقتصادي تنموي. ستظل «نظرية التهديد الصيني» نظرية «أميركية» في الأساس، تطورت في سياقاتدولية وداخلية محددة، استناداً إلى دوافع مصلحية، لا تستند إلى أسس موضوعيةتتعلق بالسلوك الخارجي الصيني. كما أن الكثير من الأفكار والمبادراتالكبرى التي قدمتها الصين خلال السنوات الأخيرة تدحض مقولات هذه النظرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube