http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
ما لم يتح لجمال عبد الناصر، أتيح لأحمدي نجاد. الأول التزم حدود «الخيمة» على الحدود بين لبنان وسوريا، الثاني سيعبر الحدود ويدخل لبنان، على وقع انتصارات حاسمة، أهّلته مساهمات إيران فيها، ليحل ضيفاً على عاصمة الجنوب المحررة، بنت جبيل. فبيروت وحدها ليست عنواناً كافياً للزيارة. من الجنوب، يمكن رؤية «بيت العنكبوت».
ما لم يتح لعبد الناصر، أتيح لنجاد. الأول، اكتفى بتبادل النفوذ مع المارونية السياسية، وبات مقر «الباب العالي المصري»، بيد السفير عبد الحميد غالب، يشارك الشهابية السلطة، يطوّب نواباً ووزراء ووزارات، وينسج من خلف الكواليس، شباك الأمن ومعادلات السياسة الخارجية. الثاني، نجاد، اكتفى بسلامة سلاح المقاومة، وتفوقه وجدارته وسطوته وقوته وحكمته، ليكون المعادل الاستراتيجي لسياستها، المناوئة باستمرار للولايات المتحدة الأميركية والمقاومة دائماً لإسرائيل. نجاد إيران، فضل أن تكون المقاومة في لبنان، طريقاً إلى فلسطين… بطرق متعددة، تاركاً شأن السلطة اللبنانية، لجماعات الحصص… حصته في لبنان مشروع استراتيجي والمقاومة خندقه الأول.
ما لم يتح لعبد الناصر، أتيح لياسر عرفات. دخل لبنان متسللاً. حاملاً فلسطين والبندقية. تأهل به قوميون عرب ويساريون. تحوّل بسرعة إلى «جيش السنة» في لبنان. ولا يعرف حتى الآن، منسوب السياسة في نضاله. هل كان انشغاله بها، أكثر من عمله على المقاومة؟ قد يكون ما قاله النائب السابق جان عبيد صادقاً: «أعطانا أبو عمار القضية وأخذ السلطة». ولما خرج أبو عمار من بيروت، كان لبنان يشهد ولادة المقاومة الإسلامية، وخلفها ترسانة الخميني الأيديولوجية والتنظيمية.
وما لم يتح للاثنين، أتيح لأحمدي نجاد. هو مرحب به بروتوكولياً ورسمياً، مع تأييد لفريق فيها، وحياد لفريق، وإحراج لفريق. وهذه عادة لبنانية عريقة. بيروت أو لبنان عموماً، لا يجمع على زعامة إقليمية. لا أجمع على عبد الناصر. بل انقسم وتخلع. ولا أجمع على زعامة ياسر عرفات، بل تحارب وتجزأ، ولا أجمع على زعامة سوريا، بل هادن وتعاون ثم انقض عليها. ولا هو يجمع اليوم على زيارة نجاد. غير أن ما أتيح لنجاد، أن دخوله لبنان، ليس من أجل ماضيه وليس من أجل ما انصرم حتى الآن على مستوى الإقليم، بل هو دخول لصياغة مستقبل.
عبد الناصر، صاغ حاضر لبنان، عبر توازن سني ـ ماروني في الداخل، انفك بعد الخامس من حزيران، وولادة الحـلف الثلاثي الماروني. وأبو عمار صاغ «الفوضى» التي خلّفت من بعده حروب الجميع ضد الجميع. أما نجاد، فهو بحضوره، يفصل بين مفهومين: الداخل اللبناني لأهله، فليتدبروا أموره وفق ما يفقهون. ولهذا، لم تتحول سفارة إيران، إلى عوكر أو عنجر أو الرملة البيضاء… أما الخارج اللبناني، فنحن فيه شركاء، وللمقاومة القول الفصل، وهو غير متروك. لأن دعم المقاومة، اختصاص الولي الفقيه، والنصوص الدستورية الملزمة.
يدخل أحمدي نجاد ليصل إلى الحدود، ليقول كلاماً، نأمل أن يستفز إسرائيل والغرب وبعض أهل لبنان. فليقل كلاماً في الاستراتيجيا. سيزعل السنة، وسيحرد بعض الموارنة، ويغضب أهل الذمة عند الأميركيين، من رواد عوكر، وولائم تموز 2006 وفرع جون بولتون. هذا الأمر مفهوم. لأن لبنان السني مارس دوره وهو يتعثر اليوم، ولبنان الماروني على وشك الأفول، ولبنان بصيغة لا غالب ولا مغلوب، على وشك الانحسار… أما لبنان الشيعي، فلا يزال في حالة صعود، ضعفه بائن في الداخل، (مطحنة المصالح والمحاصصة) أما قوته، فظاهرة للعيان، وتفهم عليها إسرائيل جيداً، ويخشى العالم منها كثيراً… حماية لإسرائيل.
كان عبد الناصر قائد ثورة تحولت إلى سلطة. وكان أبو عمار قائد ثورة تحولت إلى ما دون السلطة. أما إيران، فهي تحافظ على الاثنين: دولة بكل جدارة. دولة إقليمية عظمى. دولة مؤهلة للقيادة. دولة توفرت لها سلطة، أنفقت على التنمية والعلم والتكنولوجيا، حتى تبوأت مركزاً خطيراً يهدد نفوذ الدول العظمى… وهي أيضا تحافظ على الثورة فيها وخارجها. وهو ما نشاهده من خلال دعمها للمقاومة كنهج مسلّح ومعقلن ومدرب ومُضحٍ ومتقن وهادف، وليس للمقاومة كمشروع سلطة. وهو ما تدفع به في غزة.
مغامرة عبد الناصر انتهت إلى نكسة
مغامرة ياسر عرفات انتهت إلى مقصلة
مغامرة إيران لا تزال في بدايتها… وهي مستمرة.
لنقم الموازنة في ما يلي: دولة تعرضت منذ انطلاقتها الجديدة، بعد انتصار ثورة الخميني، إلى أشد أنواع العقوبات. حرب دامت ثمانية أعوام، قادها العراق، و«إخوانه الألداء» بدعم غربي وأميركي. احتلت فيها أراضي إيرانية، نهشتها طائرات صدام. فتكت بها صواريخه العابرة للحدود. وهي تقريباً، بلا سلاح جو، وبلا جيش منظم، وبلا معين دولي خارجي.
لنقم الموازنة في ما يلي: دولة، بنظام إسلامي، تعرضت لتشويه دائم، ولحصار خانق. (أميركا تقاطعها منذ الثورة). دولة تألب العالم ضدها، ثم ازداد تألباً وهياجاً ولا يزال. جر معه دول «الاعتداء» العربي. استبدلت هذه إسرائيل (وهي في الأساس لم تكن عدواً بجدارة. كانت عدواً بالاستعارة) بإيران. ومع ذلك ظلت تقاوم ولا تساوم.
لنقم الموازنة في ما يلي: دولة تساق إلى لجنة الطاقة، تهمة سترتكبها إيران نووياً. ثم تساق إلى مجلس الأمن، وتصدر بحقها قرارات حصار دولية ملزمةتقاوم ولا تساوم. دولة تتعرض لاجتياح إعلامي خارجي، إبان الانتخابات الأخيرة، وتنتصر بالتي هي أحسن تارة، وبالتي هي أسوأ طوراً. هي لم تكن خائفة من الإصلاحيين. كانت خائفة من تلويث الحد الأخضر، بمداد أحمر دامٍ، يسقط إيران من الداخل.
العالم كله ضدها… ومن معها، معتصم بالعقيدة والصبر والسلاح والعلم والهدف… وقبلته التي يصوّب الاتجاه عليها، فلسطين.
لنقم الموازنة في ما يلي: إسرائيل دولة عظمى إقليمية. مترعة بالسلاح ولا تتوقف عن تجرعه، كلما مدت واشنطن أمامها المائدة. دولة أخضعت العرب البائدة بلا حرب. دولة يحتشد العالم على أبوابها طالباً رضاها، ولا يجرؤ أحد على أن يرفع إصبعه في وجه مجرميها وسفاحيها وقاتلي الأطفال. دولة مغفورة لها خطاياها وآثامها وجرائمها في قانا وجنين وغزة والقدس ولبنان. دولة مطوبة قديسة ديموقراطية في غابة التوحش العربي والهمج الإسلامي. دولة برتبة عاص دائم على القرارات الدولية، ومعصومة من الحساب. دولة نووية، بالجرم المشهود، ومعفاة من التوقيع على المعاهدات الدولية. دولة اغتصاب، بالوقائع اليومية، وليس من يرف له جفن. دولة تعتقل نساء وأطفالا، ولا حقوق إنسان تطالب. دولة التعصب الأقصى والعنصرية المثلى والتهود الاحتلالي، وتدعى للمحاضرة في الحرية والديموقراطية. دولة، يطيب لمثقفي الغرب ان ينالوا بركتها، فينهالون علينا اتهاما بالتخلف. دولة تقود السلم في العالم إلى حتفه، وتكافأ بجوائز نوبل
ومع ذلك، فهذه الدولة لم تنجح في تنفيذ مشروعها. فلا إسرائيل كبرى ولا إسرائيل وسطى على قيد الحياة. هي مرعوبة على إسرائيل الصغرى.
الأولى، إيران، محاصرة من جميع الجهات، وتفوز.
الثانية، إسرائيل، مفتوحة لها كل الأبواب، أما أبواب الخلاص فمغلقة. ومفاتيح هذه الأبواب المغلقة، بيد المقاومة في لبنان وفلسطين… وهي بيد سوريا وإيران فقط لا غير.
هنا يصح قول المسيح في الإنجيل: مملكتي لا تقوى عليها أبواب الجحيم. مملكة المقاومة، منيعة قوية، بلا مُلك. بلا مالك. بلا مَلَك. مملكة المقاومة. مسكونة بفلسطين وشقيقاتها في لبنان وغزة وشعوب أنهكتها أنظمتها ولكنها لم تفارق إيمانها المقدس بفلسطين.
لفيروز أغنية مزمنة الحضور: «الغضب الساطع آتٍ».
إذاً، من حق إسرائيل أن تخاف. من حـق المراهنين عليها أن يقلقوا. أما بلاد اللبنانيين المشتقة، فلا حول ولا قـوة إلا بمعجزة، انتظرناها مراراً، ولما لم تحضر أبداً، آمـنا باليأس منها… إلى يـوم قيامة فلسطين. يومها، تعدل أغنية فيروز، لأن الغضب الساطع يكون قد جاء بالفعل. السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube