http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

في برقية عاجلة من برلين إلى موسكو عام 1989، أرسلها الكولونيل فيالاستخبارات الخارجية السوفياتية فلاديمير بوتين إلى قيادة جهاز أمن الدولةالسوفياتي الـ«كي جي بي»، أشار فيها إلى ضرورة التحرك الفوري، وإرسالالجيش الأحمر، من أجل وقف تدهور الأوضاع الناجمة عن قيام مواطنين ألمانبهدم جدار برلين، وعبورهم إلى الجهة الأخرى من المدينة، دون اعتراض قواتحرس الحدود الشرقيين. قبل 25 سنة وقف الكولونيل فلاديمير بوتين في برلين،مذهولا أمام مشهد انهيار المنظومة الآيديولوجية التي ينتمي إليها، لم يستطعإقناع رؤسائه في موسكو بالتحرك من أجل وقف عجلة الانهيار الحتمي للمنظومةالاشتراكية التي انطلقت في برلين، فقد كانت رغبة بوتين في تلك اللحظة أنيدخل الجيش الأحمر السوفياتي بدباباته إلى المدينة، ويكرر مشهد أحداث «براغ 1956» و«بودابست 1968» اللتين دخلهما الجيش السوفياتي، وقام بقمع أهمالانتفاضات الشعبية ضد السلطات الشيوعية في منظومة الدول الاشتراكية. بعد 25 سنة على سقوط جدار برلين، يقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مذهولامن جديد، عاجزا عن منع سقوط الجدار الأوكراني هذه المرة.. هو غير قادر أيضاعلى إرسال الجيش الروسي وريث الجيش السوفياتي إلى كييف، من أجل قمعالانتفاضة الثانية للشعب الأوكراني، بوجه السلطة المدعومة من موسكو، رغمالتهويل وتصاعد حدة التصريحات وارتفاع سقف الخطاب الروسي الانفعالي علىخسارة أوكرانيا، كرد فعل على الصفعة التي تعرضت لها القيادة الروسية، التيضخمت قدراتها وانتهجت سياسة متغطرسة، قامت على تحدٍّ مفتوح للمجتمع الدوليدون امتلاك المتطلبات والمبررات الكافية للمواجهة. الرد الأميركي على التصعيد الكلامي الروسي جاء على لسان مستشارة الأمنالقومي الأميركي سوزان رايس التي قالت إن موسكو سترتكب خطأ جسيما إذا قامتبأي مغامرة عسكرية في أوكرانيا. رايس غمزت من قناة الرئيس الروسي وتعاملهمع الأزمة الأوكرانية، معتبرة أن منظور الحرب الباردة لا يعكس رؤية الشعبالأوكراني وتطلعاته، وترافق ذلك مع وصول نائب وزير الخارجية الأميركيويليام بيرنز إلى كييف في مهمة دعم للتحولات السياسية التي تشهدهاأوكرانيا. تصريح رايس سبقه اتصال هاتفي أجراه الرئيس الأميركي باراك أوباما مع نظيرهالروسي بوتين، شدد فيه أوباما على ضرورة وحدة الأراضي الأوكرانية، ووضع حدلدعوات التدخل المباشر والتشجيع على الانفصال التي تصدر عن مسؤولين روس،والتي تضر بمصالح الجميع بمن فيهم موسكو وواشنطن وأوروبا. التشديد علىضرورة وحدة الأراضي الأوكرانية، حضر أيضا خلال الاتصال الذي أجرتهالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التيحذرت بدورها موسكو عبر وسطاء أوروبيين من مغبة استخدام ورقة الغاز للضغطعلى الشعب الأوكراني، ومنطلقة من أنه ليس هناك قانون يمنع الدول الأوروبيةالمستوردة للغاز الروسي من إعادة تصديره إلى أوكرانيا عبر ذات الأنبوب،وبالأسعار التي تراها هذه الدول مناسبة. رغبة أوروبا في الاستيعاب التدريجي لأوكرانيا برزت من خلال الوعود بالعملالسريع على إنعاش الاقتصاد الأوكراني، وتقديم الدعم المالي الضروري (20مليار دولار)، من أجل التعويض عما وعدت موسكو بتقديمه لحليفها الرئيسالمخلوع فيكتور يانوكوفيتش، والذي كان مشروطا بانضمام كييف إلى اتفاقيةالاتحاد الجمركي مع روسيا، والتخلي عن اتفاقية التعاون والشراكة مع الاتحادالأوروبي. مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، وهي أكبر زائرأوروبي وصل إلى كييف بعد خلع يانوكوفيتش، كانت أكثر وضوحا مع موسكو، عندماطالبتها بالتصرف كجار جيد تجاه أوكرانيا، وأن تسمح لها بالمضي قدما فيالطريق الذي اختارته. هذا الطريق الذي تحدثت عنه آشتون هو بالنسبة لموسكو ممر لعبور أوكرانيا إلىأوروبا، ووقوعها تحت تأثير الاتحاد الأوروبي ومن خلفه حلف شمال الأطلسي،الذي أصبح بالنسبة لموسكو مقيما داخل حديقتها الخلفية، في جمهورية يقيمفيها أكثر من 17 في المائة من المتحدرين من أصول روسية، ومناطق شرقيةوجنوبية تقر بالولاء لموسكو، حيث تقع شبه جزيرة القرم، المطل الاستراتيجيلروسيا على البحر الأسود، وميناء سيفاستوبل الذي ترسو عليه قطع الأسطولالعسكري الروسي وغواصاته النووية، ومدينة أوديسا التي تضم أكبر مصانع السفنمنذ العهد السوفياتي، إضافة إلى هواجس موسكو من تحكم حكومة كييف العتيدةالمتفاهمة مع الغرب، بدورة إنتاج المصانع الأوكرانية الروسية المشتركة، حيثيجري تصنيع أجزاء من قطع الطيران الحربي الروسي والمولدات العسكرية، فهلتستطيع موسكو تخفيف قلقها أمام هذا الواقع؟! فلاديمير بوتين المسكون بهواجس إمبراطورية، يعتبر أن قرار حل الاتحادالسوفياتي أكبر كارثة «جيو – استراتيجية» خلال القرن العشرين، ويعتقد أنهقاب قوسين أو أدنى من استعادة هيبة الدولة العظمى، ولذلك جعل من سوريا منصةللعودة إلى المجال الحيوي السوفياتي، موهِما الكثيرين بعودة موسكو للتحكمبالجغرافيا السياسية لروسيا السوفياتية. بوتين يواجه الآن خسارة استراتيجيةللمجال الحيوي الروسي في أوكرانيا، ما يعيد إلى الأذهان ما قاله أحد واضعيأسس الجيوباليتِكا الروسية (ألكسندر دوغين) حول أزمة الهوية الروسية فيمرحلة «السوق الكونية» بأن المشروع «السوفياتي – القيصري» يحاول جاهدا بعثالأمة والدولة بنفس الصيغ والبنى التي أدت بالروس تدريجيا إلى الإفلاس.

الشرق الاوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube