http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

مع زوال الامبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، عمل مصطفى كمالأتاتورك، على خلق تركيا جديدة بقالب أوروبي. ومن خلال سيطرته على جميعمرافق السلطة، بما في ذلك الجيش، فرض أتاتورك وجهة نظره بالفصل بين الدينوالدولة، وبالطلب من مواطنيه باعتبار أنفسهم غربيين. وتطلّب الأمر مرور قرنمن الزمن، وثورة ديموقراطية، قام بها حزب العدالة والتنمية ـ الذي وصل إلىالسلطة عام 2002، لكي تنتهي «تركيا الكمالية ـ الغربية». ومع الاستقالةالجماعية لكبار الضباط الأتراك، الشهر الماضي، تكون آخر مؤسسة «كمالية»، أيالجيش، قد استسلمت ورزحت تحت وطأة التسونامي السياسي لحزب العدالةوالتنمية الناشط منذ عقد من الزمن. هذه النهاية للسياسة الكمالية توحي بأنزعيم حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، هو «أتاتورك» تركيا الجديد. وإذا لم يكن يحمل طابع «محرّر» تركيا، فإنه يمتلك من السلطة بما يكفي ليكونكذلك. إن سقوط الكمالية كان متوقعا. فعندما تحوّلت تركيا إلى ديموقراطيةمتعددة الأحزاب عام 1950، سعت الأحزاب المختلفة، على مدى عقود، إلى الحفاظعلى إرث أتاتورك، فيما بقي الجيش حارساً للنظام. غير ان السُّبات سيطر فينهاية المطاف، حيث أن الكمالية أصيب بالركود ثم تحولت إلى حركة أيديولوجيةلحماية الماضي. وخير دليل على ذلك، كان الانتشار السريع لتماثيل أتاتورك فيساحات جميع المدن والبلدات، عقب انقلاب العام 1980 الذي وضع حداً للفوضىفي الشوارع، لكنه فرض على البلاد دستورها العسكري الصارم. ومن خلال تحويل «أتاتورك» إلى «عبادة» أو طقس ديني، عمل الجنرالات، من حيث لا يدرون، علىزوال «الكمالية». وحتى بعد أن أصبحت تركيا ديموقراطية عام 1982، لم يتبدلهذا المنحى. فالأحزاب التي تعاقبت على الحكم، ومعظمها من اليمين ـ الوسط،فشلت في إنتاج أفكار للتغيير، الأمر الذي جعل الأحزاب الإسلامية الناشئةتستشعر بأن الفرصة أصبحت سانحة، فبدأت تبني شبكاتها، ونظرتها المستقبليةلتركيا، التي وضعت جدراناً شفافة بين الدين والسياسة العامة والحكم، ولكنهاتبنت هوية إسلامية في سياستها الخارجية. وعندما تداعت الأحزاب اليمينيةالحاكمة عقب أزمة اقتصادية في عامي 2000 و2001، لجأ الإسلاميون إلى خطابمعتدل لجذب الناخبين، وما ان تسلّم السلطة، حتى ضمن حزب العدالة والتنميةالمساندة الشعبية الواسعة للتغيير. وسرعان ما أثبت الحزب انه قادر علىالحلول مكان الكمالية في وسائل الإعلام، والاقتصاد والمجتمع المدني،والنقابات، وصولاً إلى المحاكم العليا. وكانت المؤسسة العسكرية آخر معاقلالكمالية. ومنذ 2007، أسفرت قضية قضائية عرفت باسم «إرغينيكون»، عن اتهامالجيش بالتآمر ضد الحكومة، الأمر الذي جرّده من سلطته الواسعة. ومع أن هذاالاتهام لا يزال غير مؤكد حتى اليوم، إلا ان تداعياته أصبحت واضحة، حيث انصورة الجيش السابقة بأنه المؤسسة الوحيدة التي يثق بها الناس، قد تشوّهتوانطلاقا من ذلك، ومن هيمنة حزب العدالة والتنمية، قدّم الضباط الكباراستقالاتهم في 28 تموز (يوليو) الماضي، وأفسحوا المجال أمام حزب العدالةوالتنمية لكي يصبح القوة الوحيدة في تشكيل تركيا، المحافظة اجتماعياًوالحريصة على هويتها الإسلامية. على الصعيد الداخلي، هذا يعني فرض طريقةعيش محافظة على المجتمع، أسفرت عن تسكير محلات بيع الخمور في اسطنبول. وعلىصعيد السياسة الخارجية، فإن هذا يعني قيام دولة تركية تكتفي بهويتهاالإسلامية، وترفض اعتبار نفسها غربية، وخصوصا بعد بروز مصطلح «العالمالإسلامي» السياسي، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وهذا يعني قيام علاقةمتوترة، أكثر فأكثر بين تركيا وحلف الناتو، رمز جميع المؤسسات الغربية. كمايعني أن تركيا ستكون منفتحة على جميع التحالفات غير الغربية. على مدى قرنمن الزمن، واظب الأتراك على المفاخرة بأتاتورك، لأن أتباعه السياسيين كانوايمسكون بزمام السلطة. والآن، جاء دور أردوغان. فلديه الرؤيا اللازمة،ويمسك بزمام السلطة من كافة جوانبها. والزمن سوف يثبت مدى قدرته على تشكيلهيكلية تركيا بما يتلاءم مع تصميمه الخاص. محلل بارز في «معهد واشنطن لشؤونالشرق الأدنى السياسية»

(واشنطن بوست)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube