http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

لا ينبغي أن نستغرب تسارع وتيرة التصريحات «المزاجية» المتقلّبة لدونالدترامب في الأيام الأخيرة. وقد لا يكون مستغرباً أيضاً، أن يتسارع إيقاعالنشاطات واللقاءات الديبلوماسية والسياسية في الآونة الأخيرة. فالأنظارالمشدودة إلى لقاء القمة المرتقب بين ترامب وفلاديمير بوتين في هلسنكي،تحضّ غير طرف من أطراف النزاعات المتعددة والمتقاطعة على التذكير بموقعهوضرورة أخذ هذا الموقع في حسابات الرئيسين اللذين سيبحثان ملفات كبيرة فيمنتصف الشهر الجاري. غني عن القول إن ملفات هذه القمة شائكة وفي كل واحد منها شبكة تقاطعاتمعقدة تزيد من تعقيدات اللعبة في إطارها الداخلي المباشر أو الإقليميالمرتسم كحديقة خلفية لما يتبدى كحقل سيادات وطنية ودولتية. إذا صدقتالتقديرات المعلنة لجدول أعمال القمة، فإن ملف الاتفاق النووي الإيرانيومحاولة التوافق على مشروع حل سياسي للأزمة السورية سيكونان في صدارةالقضايا المطروحة للبحث. وليس مستبعداً أن يجري التطرق إلى ما بات يُعرف بـ «صفقة القرن» الواعدة بوضوح وصلف كبيرين بتصفية القضية الفلسطينية واعتباركل القرارات الدولية المتعلقة بها ضرباً من السخاء الحقوقي الزائد. من بين التصريحات المتضاربة التي أطلقها ترامب أخيراً، قوله الاتهاميوالدعوي أن ألمانيا باتت رهينة لروسيا. نعلم أنه تراجع عن موقفه هذا بعد ردألماني ساخن ظل في حدود الديبلوماسية. في تراجعه، اعتبر ترامب أن العلاقةمع ألمانيا ومع أنغيلا ميركل ممتازة. وعلى المنوال نفسه، طلب بلغة أبويةصارمة من حلفائه في حلف الأطلسي، لمناسبة انعقاد القمة الأطلسية في بروكسيلقبل أربعة أيام، أن يضاعفوا من حجم إنفاقهم المالي على المؤسسة الأطلسيةالتي تشكل الحاضنة الاستراتيجية للقوة العالمية بقيادة الولايات المتحدة. توالت الردود على كلام ترامب من رؤساء وقادة دول أطلسية لتأكيد اضطلاعهمبمستلزمات الحفاظ على القوة الاستراتيجية للحلف الموروث عن الحرب الباردة،لكن من دون رفع النبرة إلى مستوى السجال الحاد. وبذلك يفصح غير رئيس أطلسي،أوروبي خصوصاً، عن تصرف يزعم الرشد إلى حد اعتبار تصريحات ترامب مواقفهوائية تتسم بالخفة والطيش البلاغي وتستدعي التعامل معها بعقلية تعليميةوتربوية. ثمة من يرى أن تصريحات ترامب المتصفة بالخفة المزاجية واللمعان الاستعراضي،قد تكون مدروسة وتخدم تصوراً معيناً عن كيفية المزاوجة بين القوة الراسخةعالمياً وبين الانكفاء على فكرة ضيقة عن السيادة الوطنية يصفها كثيرونبالانعزالية. تميل تقديرات المتابعين إلى ترجيح عدم تطرق ترامب في القمة المرتقبة، إلىمسألة ضم روسيا شبه جزيرة القرم. لا يمنع هذا من أن تكون العلاقة المتوترةبين روسيا وأوكرانيا من بين القضايا التي سيثيرها ترامب لتعزيز الاعتقادبقوة تحالفه مع أوروبا. ومع أن ترامب ألمح إلى احتمال تطرقه إلى قضيةالتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، فإن قصر هذا التطرق على الجانبالإعلامي يبقى راجحاً. أما المسائل الشائكة المتعلقة بالشرق الأوسط فهي،كما أشرنا، ستحظى بنصيب كبير من البحث بين الرئيسين. وليس من قبيل المصادفةأن يلتقي بوتين عشية القمة وفي وقت واحد تقريباً، برئيس الحكومةالإسرائيلية وبمستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي كمبعوث خاص لخامنئيولرئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني. ما رشح عن لقاء نتانياهو وبوتينيتعلق بتطورات الميدان السوري بعد تقدّم قوات النظام في منطقة درعا والجنوبالسوري وحصول مناوشات متقطعة بين القوات الإسرائيلية والقوات السورية فيمنطقة القنيطرة المتاخمة لهضبة الجولان المحتلّة. ويبدو أنه حصل تفاهم فيدرعا بين قوات النظام وبين فصائل معارضة بارزة، الأمر الذي يخشىالإسرائيليون أن يتحول إلى ورقة تهديد إيرانية. سعي نتانياهو الى تحجيمالدور الإيراني في سورية، بل شطبه من المعادلة، بات هدفاً استراتيجياًمعلناً. جزء مهم من الصفقات التي ستُبحث في هلسنكي يدور بالضبط على التعاملمع الدور الإيراني المتعاظم في سورية والمنطقة. ومع إقدام ترامب على نقلسفارة بلده إلى القدس والترويج لصفقة القرن العتيدة بالتزامن مع الخروج منالاتفاق النووي الإيراني، يتّضح أن الدور الإيراني في المنطقة، لا سيما فيسورية وغزة ولبنان، يقلق إسرائيل الطامحة إلى لعب دور القوة العظمى فيالشرق الوسط بطريقة شبه بديهية، بحيث يصبح أي حديث عن ضغط دولي عليها ضرباًمن العبث ومن التطاول. لا نبالغ إذا قلنا إن دونالد ترامب يستلهم مثاله في السياسة وفرض النفوذ منالنموذج الإسرائيلي. ففي حالة الدولة العبرية، يجري استبطان أرجحيةأخلاقية وحقوقية تعود إلى اضطهاد اليهود ومحرقتهم في أوروبا واستخدامها فيسياسات عدوانية وتوسعية وكولونيالية صريحة ومكشوفة. في عرف نتانياهووأمثاله، تتمتع إسرائيل بهذه الأرجحية لا بفضل سلوكها وممارستها بل بفضلامتياز بيولوجي هو صفة ثابتة وجودياً. ترامب لا يتصرف بطريقة مختلفة. فهوأيضاً، ومعه جزء كبير من قاعدته الانتخابية، يستبطن أرجحية مفترضة للمجتمعوالتجربة الأميركيين، بفضل العراقة الديموقراطية ورصيد الترسانة الحقوقيةالراعية للحريات والنشاط الليبرالي، ويعتبر بطريقة مرضية وعظامية أنالآخرين يحسدون أميركا ويتمنون خرابها لأنها تحمل في هويتها الجوهرية وجهالتفوق كصفة أنطولوجية ملازمة للشخصية الأميركية. الرئيسان اللذان سيبحثان في قمة هلسنكي قضايا كبيرة، يقفان اليوم في نفسالحقل المعولم للرأسمالية المنتصرة والجامحة إلى الربحية والنفوذ وفرضالسطوة بعد الحرب الباردة. لكنهما لا يتمتعان بالرصيد السياسي والرمزيوالمعنوي نفسه. التقابل بينهما هو من طراز سابق على زمن الحرب الباردة. فروسيا البوتينية لا تزعم تقديم نموذج نقيض للرأسمالية كما كانت الحال فيزمن الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية. ولا يهم كثيراً، ههنا، إشهارموقف من هذه المنظومة واعتبارها كاذبة. فهذا قد يكون مفيداً في ما يخصخلقية القناعة والموقف العقائدي. لكنه لا يفيد كثيراً في فهم خلقيةالمسؤولية السياسية وفي فهم جزء معتبر من تاريخ العالم الحديث طوال سبعةعقود على الأقل. هذا التمييز الذي قدمه ماكس فيبر قبل قرن تقريباً، لا يزالضرورياً إذا شئنا مقاربة السياسة وتبدلات صورتها واشتغالها في زمننا هذا. ومن أكبر المفارقات أن يكون بوتين السلطوي أقرب من ترامب الفرجوي إلى فهمالسياسة.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube