http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

فجأة، عادت العلاقات بين الصين والهند إلى توترها المعتاد. ادعت الهند أن الجيش الصيني نصب خياماً عدة في منطقة لاداخ المتنازع عليها منذ عقود، وادعت الصين أن الجيش الهندي بعث بقوات إلى المنطقة خلافاً للاتفاقات التي وقعت عقب الحرب التي نشبت بين البلدين في العام 1962.

 الواضح، على امتداد السنوات الأخيرة، هو أن الصين لم تتوقف عن تحسين ظروف الحياة في هذه المنطقة الصعبة التضاريس والقاسية المناخ، وأنها شيدت بالفعل ثلاثة سدود على نهر البراهمبوترا أحد أهم مصادر المياه في عالم الجنوب، الأمر الذي دفع الحكومة الهندية إلى إرسال وفود عدة للتأكد من أن هذه السدود لن تعيق تدفق المياه إلى السهول الهندية.

إلى هنا ويبدو أن التطورات لا تستحق الضجة التي أثيرت حولها، فالتوتر على حدود طولها 4 آلاف كلم هو من السمات الدائمة للعلاقة بين العملاقين الآسيويين حتى قيل عنها إنها أطول حدود متوترة في العالم، بل إن التحكم في هذا التوتر لكي لا يتصاعد مرة أخرى في شكل اشتباكات مسلحة، أصبح هو نفسه من النماذج المهمة في بحوث الصراع الدولي، إذ لم يتردد الطرفان في استخدام كل وسيلة ممكنة لضبط حركة الصراع بينهما إلى حد مثير لإعجاب منظري وأساتذة العلاقات الدولية.

ومع ذلك فوجئنا بهذا الاهتمام المفاجئ وغير العادي بحادث عادي تعرض الطرفان لعشرات من أمثاله خلال عقود عديدة. اختلفت كما تعددت الاجتهادات التي حاول أصحابها تفسير هذا الاهتمام المفاجئ. قيل مثلاً إن الأمر برمته ابتداء من الاحتكاك وانتهاء بالتهدئة يتعلق بتطورات أشمل وأوسع كثيراً من مجرد حادث بين بلدين آسيويين حتى وإن وقع على ارتفاع خمسة آلاف متر فوق سطح البحر. ففي الوقت نفسه تقريباً كانت كوريا الشمالية قد بدأت تسحب صواريخها التي نصبتها منذ أسابيع على شواطئها الشرقية تهدد بها صراحة اليابان والولايات المتحدة الأميركية.

ربط آخرون بين هذا التصعيد في التوتر على الحدود بين الهند والصين واندلاع قتال عنيف بين القوات الأفغانية والقوات الباكستانية على خط حدود دوراند الشهير. يقول الأفغان إنهم لن يرتاح لهم بال حتى يمحى هذا الخط الذي رسمه الإنكليز، الخط الذي قسم أمة الباشتون بين بلدين. لن يرتاح لهم بال حتى تحرر هذه الأمة من السيادة الباكستانية وتعود إلى السيادة الأفغانية. يتساءل هذا النفر من المعلقين إن كان التوتر على الحدود الهندية الصينية متعمداً لتخفيف الضغط على باكستان ومنع الهند من تقديم الدعم لأفغانستان في هذه الظروف العصيبة التى يستعد فيها الأفغان والباكستانيون قبل غيرهم لمرحلة ما بعد خروج القوات الأميركية من أفغانستان. يحمل هذا التساؤل معنى أن الصين ربما بدأت تناور وتمارس أدواراً التزمت مراراً وعلناً على امتداد ثلاثين عاماً بأن تنأى بنفسها عنها، على الأقل إلى حين يكون صعودها للمشاركة في القيادة الدولية قد تأكد أو كاد يتأكد.

ينضم إلى هؤلاء المجتهدين معلقون يعتقدون أن هناك في آسيا من ينتهز فرصة تعلق عيون العالم وآذانه بعملية صعود الصين ليكسب تعاطفاً خارجياً ودعماً سياسياً. يضربون المثل بحالة الهياج المستعر في دولة الفيليبين، إذ يكاد لا يمر يوم من دون أن تفتعل فيه، أو يبالغ في تصوير، أزمة مع الصين. يتهمها السياسيون الفيليبينيون وغيرهم أنها تضمر نيات توسعية تجاه جاراتها الآسيويات من الصغار أمثال فيتنام وكمبوديا وإندونيسيا. رأيناهم في الآونة الأخيرة يحاولون إثارة قوى وتيارات سياسية كثيرة في كل دول الجوار لتقف ضد الصين. نعرف، ويعرف كثيرون في الغرب وفي الصين، أن بعض هذا التصعيد من جانب سياسيين في الفيليبين مثلاً مصدره الاستعدادات الجارية لإجراء انتخابات عامة في البلاد مصحوبة باشتعال جديد للثورة في المناطق الإسلامية. لا يعني هذا إنكار حقيقة واضحة وهي أن صيت الصين وحركتها السياسية والتجارية في العالم بأسره تشكل دافعاً كافياً لإثارة غيرة عناصر وأحزاب سياسية في أقطار جنوب آسيا واليابان، وكافياً أيضاً لإشعال نيران المشاعر والعقائد القومية بهدف حشد قوى تتصدى للصين كقائد إقليمي.

إذا صحت هذه الاجتهادات وجميعها لا ينكر الاقتناع السائد بأن قارة آسيا دخلت بالفعل مرحلة الاستعداد لنظام دولي جديد تشارك فيه الصين بمسؤوليات القيادة الدولية وتلتزم قواعدها، وهي الآن لا شك بدأت تخطط وتختار لنفسها نمطاً لتحالفاتها الإقليمية والدولية على حد سواء ونمطاً آخر لسياساتها الخارجية واستراتيجيتها الأمنية… في هذه الحالة لن تكون الصين الطرف الدولي الوحيد المنشغل بعملية الصعود إلى القمة. هناك بالتأكيد الطرف الذي يجب أن يستعد ليفسح مكاناً في موقع القيادة لشريك في القيادة. هناك أيضاً أطراف عدة أخرى ستسعى لتشكيل مجموعة أو تكتل ليلعب دور القطب الثالث، أو ليكون لاعباً موازناً كالدور الذي لعبته بريطانيا خلال مرحلة توازن القوى الأوروبية، أو ربما ليكون طرفاً رافضاً لهيمنة نظام القيادة المشتركة.

لا أتصور أن يكون في إمكان أميركا وحدها، أو أميركا متعاونة مع الهند ودول أخرى في جنوب آسيا ودول في وسط آسيا مثل إيران، ضبط حركة التطورات، سلمية ستكون أو عنيفة، التي سوف تشهدها منطقة وسط آسيا في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان. لا شك في أن العقول والخبرات التي أثمرت خطة الانتقال من الاعتماد على مركزية أوروبا والأطلسي في الاستراتيجية الأميركية إلى الاعتماد على مركزية شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، جال في خاطرها أمر الانسحاب من أفغانستان وتداعيات هذا الانسحاب. لا ننسى أن الانسحاب من أفغانستان هو العملية الأهم في تاريخ أميركا العسكري، ربما الأهم على الإطلاق، سواء أخضعنا هذه الأهمية لحسابات الأرقام، كالجنود والأموال والسنوات، أو حسابات النصر والهزيمة اللذين يلحقان بسمعة الجيوش لعقود بل قرون. ولا أبالغ إذا قلت أن أميركا فشلت في أفغانستان، وسيكون من الصعب عليها التهوين في هذا الفشل أو التقليل من شأنه كما فعلت بعد انتهاء حرب فيتنام والانسحاب منها لأن الظروف مختلفة. لقد أرادت واشنطن بتدخلها السافر في أفغانستان أن تؤثر استراتيجياً في سرعة الصعود الصيني وكفاءته، تماماً كما تصورت بتدخلها غير السافر في المرة الأولى أنها تؤثر استراتيجياً في سرعة الانحدار السوفياتي. في الحالة الأولى كانت تواجه قطباً منهكاً ومتورطاً في حرب أهلية أفغانية، وفي الحالة الثانية كانت تستعد لتواجه دولة كبيرة لها طموحاتها وأطماعها وفي الوقت نفسه تعي الدرس السوفياتي جيداً.

براعم السياسة في آسيا تتفتح واعدة بمفاجآت على كافة المستويات، ليس أقلها شأناً ما يتعلق بمستقبل مفاهيم كادت تستقر في ظل هيمنة غربية عمرها من عمر القرون مثل مفاهيم الحضارة والقيم العالمية والعلمانية واقتصاد السوق والتحديث والتغريب.  صحيفة الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube