http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

في خضم المخاض العسير الذي يعيشه العالم العربي، وفي مواجهة المقاربة الأميركية لها، تبدو الصين مقتنعة بأنها أمام الاختبار المصيري لسلبيات وتحديات أن تكون قوة اقتصادية عالمية. ويتسم الموقف الصيني في المرحلة الراهنة، كما عرف دائماً، بالتردد الحذر والحياد في الانخراط في الشأن الداخلي للدول، حتى وإن تعلق الأمر بالملفات الأكثر حساسية في سياساتها.
ويعزو الكثيرون أسباب التردد الصيني إلى معضلة متفاقمة في أروقة صنع القرار في بكين، وهي كيفية المواءمة بين ما تفرضه مصالح البلاد الاقتصادية والاستراتيجية المتنامية من جهة، والمبادئ المتجذرة في السياسة الخارجية، وعلى رأسها «مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد الأخرى» من جهة أخرى، وهو المبدأ الذي وضعه رئيس الحكومة الأسبق شو إين لاي ضمن مبادئه الخمسة للتعايش السلمي.
وللمرة الأولى، ترتفع أصوات عديدة تطالب بضرورة أن تلعب بكين دورا ضاغطا في رسم السياسات الداخلية للدول التي لها فيها مصالح استراتيجية، حتى وإن استدعى الأمر التلويح بالقوة العسكرية.
وقد تكون ليبيا خير مثال يطرحه المطالبون بأن تتجه الصين في المستقبل إلى تعزيز قوتها الاقتصادية عسكرياً، مستفيدة من موجة الثورات العربية وتغيّر خريطة القوى. فعدد الشركات الصينية المستثمرة في ليبيا قد بلغ 75 شركة، ومن بينها 50 مشروعا في مجال البناء ذات تكلفة إجمالية قدرها حوالى 18 مليار دولار أميركي.
أما شركة «سينوهيدرو» الصينية، التي دخلت إلى السوق الليبية في وقت مبكر، فكان لديها ستة مشاريع قيد الإنشاء في ليبيا قبل اندلاع الاحتجاجات الحاليّة. بالإضافة إلى ذلك، تتمثل الشركات المركزية الأخرى، التي لديها مشاريع استثمارية في ليبيا في مؤسسة بناء السكك الحديدية الصينية ومؤسسة هندسة البناء الصينية وشركة مجموعة المعدنية الصينية وشركة «غيزوبا» المحدودة وشركة بناء الاتصالات الصينية وغيرها، في حين أن شركة هندسة السكك الحديدية الصينية وشركة مواد البناء الوطنية للصين لديها جزء صغير من الاستثمار.
ووفقا للإعلانات الأخيرة للشركات المذكورة، والتي نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، فإن مؤسسة هندسة البناء الصينية دخلت ليبيا للمشاركة في تنفيذ مشاريع المقاولات الهندسية في العام 2007، والمشاريع قيد الإنشاء كلها مشاريع بناء الوحدات السكنية، ويصل عددها إلى عشرين ألف وحدة، ومدتها 40 شهرا.
أما مؤسسة بناء السكك الحديدية الصينية فلديها ثلاثة مشاريع للمقاولات العامة، بما فيها السكك الحديدية الساحلية وتمديداتها، والسكك الحديدية بين الشمال والجنوب، والسكك الحديدية الغربية (طرابلس ـ رأس أجدير). أما إجمالي قيمة العقد فيصل إلى 4,24 مليارات دولار. وبفضل خبرتها وقدرتها التنافسية العالية التي لا تضاهى في غالبية الأحيان، استطاعت الشركات الصينية أن تعزّز نفوذها ضمن شبكة الاستثمار في البنية التحتية الواسعة التي أطلقها الرئيس الليبي معمّر القذافي.
ولم تكن الشركات الصينية تتحرّك وحدها، إذ كانت هناك الشركات الأوروبية والروسية والبرازيلية والهندية التي تتنازع على «كعكة» الـ100 مليار دولار من الاستثمارات التي كانت تخطط لها ليبيا للسنوات المقبلة.
ويعود يينغ غانغ، من معهد البحوث حول غرب آسيا وأفريقيا، في مقال تحت عنوان «الصين في مواجهة الرأسمالية الخطرة» في صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى الفترة التي شهدت ازدهار الاستثمار الصيني في ليبيا. ويقول «كانت ليبيا تعاني نقصا هائلا في اليد العاملة، بعد رفع العقوبات عنها في العام 2000، وهذه الشركات (الصينية) كانت بمثابة الفرصة الذهبية للطرفين، حتى لو لم تكن العلاقة بينهما في أحسن أحوالها».
ولكن مستوى العلاقة بين البلدين لم يقتصر على العمالة، بل تعداه إلى مستوى العلاقات السياسية والدبلوماسية. إلا أن القذافي الذي حرص دائما على لعب الورقة الصينية حتى نهايتها، كان بنظر بكين عميلاً «سيئ الطباع».
ويقول مدير قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة هونغ كونغ، جان ـ بيار كابيستان، للصحيفة الفرنسية إن «القذافي كان قد صرّح في غير مناسبة عن رفضه للوجود الصيني في القارة الأفريقية». ولكن الصين التي صوّتت على العقوبات بحق ليبيا في نهاية شباط الماضي، بدّلت موقفها التقليدي وبقيت وفيّة لعلاقاتها «الاقتصادية» بالجماهيرية حتى آخر لحظة، ممتنعة عن التصويت على قرار فرض حظر جوي فوق أراضيها في جلسة مجلس الأمن.
وللموقف الصيني في مجلس الأمن اعتبارات تقوم على المصالح بالدرجة الأولى، وعلى علاقات دبلوماسية بدأت منذ العام 1978. وقد «نشأت فعلاً علاقات متينة بين الجماهيرية، التي كانت تدّعي الوقوف في معسكر الاشتراكية ضد الإمبريالية أيام الحرب الباردة، وأكبر دولة شيوعية مساحة وسكاناً في العالم».
ويرى كابيستان ان الصين نأت بنفسها عن التدخل المباشر، وتريثت، لكي ترصد تطور الرأي العام في العالم العربي، وباختصار، لكي «تلعب بحكمة ورقة العالم العربي».
ويمكن القول إن الترجمة العملية لهذه التوجهات، من وجهة نظر أخرى، تجلت في مشاركة البحرية الصينية في عمليات حماية بضائعها من القرصنة في خليج عدن، والتي تعد احد المؤشرات المهمة لتفسير الطموحات الصينية. فبوادر السياسة الجديدة التي تنحو الصين باتجاهها، يفسرها مدير الاستراتيجيات في «مركز آسيا» فرانسوا غودمو، في مقال نشره في «لوموند»، بالقول إن «توسيع مصالح الصين الاستراتيجية يتطلب بالضرورة تعديل قدراتها العسكريّة»، مضيفاً أن « ليبيا تعد خير مثال على أن أي وجود اقتصادي أو إنساني في بلد ما أو منطقة ما على مستوى واسع، يتطلب توفير سياسة أمنية لحمايته».
وفي إطار حديثه عن أننا قد نشهد في أحد الأيام وصول سفن حربية، أو حتى جنود، إثر قدوم العمال المهاجرين أو توقيع عقود تتعلق بالبنى التحتية والبناء، يرى غودمو أن «الوضع الراهن للقوى السياسية التقليدية التي تحتكر التدخل العسكرية وحدها، يشي باقترابه من النهاية».
ويحضر في هذا المقام، عند الكلام عن تأثر السياسة الصينية بمصالحها الاقتصادية، موقفها بشأن انفصال السودان وارتباطه المباشر بموضوع النفط. وبحسب ما هو معروف عن الصينيين، عبر مؤسساتهم العامة والخاصة، فإن انتشارهم في السنوات القليلة الماضية في قارتي أفريقيا وآسيا استهدف الاستحواذ على مكامن النفط والغاز والمعادن، ومن الطبيعي إذاً أن تثير موجة الثورات العربية قلق بكين، نتيجة للضغوط المتزايدة التي تهدد بارتفاع أسعار النفط، وبفعل المخاوف من حصول تضخم اقتصادي في الصين.
وتستورد الصين نحو 47 في المئة من النفط الخام من دول الشرق الأوسط، بحسب وكالة الطاقة الدولية. وتستورد النفط الخام من أفريقيا (أنغولا والسودان) ودول وسط آسيا وروسيا وأميركا اللاتينية. أما الاستثمارات العربية في الأسواق الصينية فهدفها ولوج هذه السوق الضخمة وضمان تزويدها بالنفط العربي.
ومن المعروف أن الصينيين ركزوا أنظارهم منذ زمن بعيد على القارة الأفريقية السمراء. ومنحوا السودان أهمية قصوى، ولا سيما بعد انسحاب شركات النفط الغربية منها في منتصف التسعينيات، حيث دفعت بكين بشركتيها النفطيتين العملاقتين «إس إن بي سي» و«سينوبيك» للاستثمار في أعمال التنقيب واستغلال النفط والغاز في السودان، وهو ما جعل الشركة الأولى تمتلك حصة الأسد في أكبر مجموعتين للطاقة في البلاد، أي نحو 60 في المئة من أصل 480 ألف برميل من الخام ينتجه السودان يوميا.
وهكذا نظرت الصين دوما إلى استثماراتها في السودان من خلال شركة «إس إن بي سي»، على أنها أحد أكثر استثماراتها الخارجية نجاحا ومردودا. ومن هنا يمكن القول إن تقسيم السودان وانفصال جنوبه في كيان مستقل حمل معه الكثير من التعقيدات لبكين.
أما بشأن الموقف المستقبلي للصين إزاء ما يحصل في العالم العربي، فيقول مدير إدارة الشرق الاوسط «يوروموني للمؤتمرات» ريتشارد بانك، في مقال كتبه على مدونته، انه اجتمع بمسؤولين صينيين لاكتشاف رد الفعل الصيني على «موجة التغييرات السياسية الاخيرة التي ضربت المنطقة، خاصة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وهل هذه التغييرات أثرت سلبا على سياسة الاستثمار الصينية المباشرة والطموحة التي حققت الكثير من النجاحات». وينقل بانك عن المسؤولين الصينيين قولهم إن «جميع المؤشرات تؤكد اتفاق مسؤولي الشركات التي التقيت بهم على ان منطقة الشرق الاوسط تعد من المناطق الحيوية الاستراتيجية المهمة بالنسبة لاستثماراتهم خلال القرن الحالي، وانه لا بديل منها ولا يمكن الاستغناء عنها».

السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube