http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

لم يكن مظهر الشبان الذين هاجموا سكن الأجانب في شمال موسكو قبل أيام يدل إلى انتماء سياسي أو أيديولوجي.

ملابس عادية في يوم مشمس، بنطلونات قصيرة وكنزات خفيفة، بعضهم حمل على ظهره شنطة يظهر في جانبها جيب لزجاجات المياه، وبعضهم رفع هاتفه المحمول وظهر في شريط الفيديو الذي تم بثه بعد ذلك على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو يصور تفاصيل الاقتحام والمحادثات التي جرت خلاله.

لولا العبارات الحادة التي أطلقها البعض، والعصي التي ظهرت فجأة، ومسدس كان يلوح به زعيم المجموعة وهو يدعو قاطني السكن إلى النزول من غرفهم والتجمع في الساحة… لولا هذه المظاهر لم يكن ليخطر في البال أن هؤلاء الشبان ينتمون إلى فصيل قومي متشدد يشن حرباً بلا هوادة على العمال الأجانب الذين «استوطنوا» موسكو.

لم يعد نشاط «القوميين المتشددين» مقتصراً إذاً على المظاهر التي كانت تميزهم في السابق. اختفت تقريباً ظاهرة «حليقي الرؤوس» الذين كان وجودهم في مجموعات كافياً لترويع أي أجنبي يمر بالمكان ولو بالصدفة. واختفت أيضاً ملابسهم الغريبة، المصنوعة دائماً من الجلد الأسود، والمزينة دائماً بسلاسل حديد.

ومثلما تغير مظهرهم، تبدل سلوكهم أيضاً، وقد يمكن القول، كما يحب بعضهم أن يردد: «نضجت تجربتهم». فهم خلافاً لفترة التسعينات من القرن الماضي، ما عادوا مجرد عصابات شبابية تتخذ من هتلر زعيماً ومثلاً أعلى، وتشن هجمات عشوائية على الأجانب لمجرد أنهم «سود» فتقتل من تقتل وتجرح من تجرح في «غزوات» قومية على مناطق تجمع القوقازيين والآسيويين، ثم تلوذ بالفرار ولا تجد من يلاحقها أو يحاسبها.

الآن، هم أكثر انضباطاً بالقوانين، وأبسط مظهراً، لكن الأهم، أنهم غدوا أصحاب رؤية سياسية تستند إلى أن المطلوب ليس ترويع الأجانب وقتلهم لأنهم «احتلوا روسيا» وضيقوا على الروس، بحسب الشعارات التي كانت سائدة، بل ملاحقة المخالفين للقوانين وتسليمهم للشرطة، والتضييق على الهجرة غير الشرعية، باختصار «عمل كل الممكن لتطفيش الأجانب الذين سيطروا على سوق العمل وزادوا نسبة الجريمة في البلاد وباتوا يهددون هويتها القومية»، كما قال سيرغي بالوتين أحد زعماء المجموعة التي تطلق على نفسها اسم «جدار موسكو» والمقصود بالعبارة جدار الحماية أو حائط الصد.

«الهتلريون» أو «النازيون الجدد» كما اصطلح على تسميتهم سابقاً، باتوا ينتظمون في حركات شبابية تبدو أقرب في بنيتها إلى الأحزاب، لكنها لم تنجح في الغالب في الحصول على تراخيص لتأسيس أحزاب رسمية.

وهذا لا يعني أن ظاهرة «حليقي الرؤوس» اختفت تماماً، فهي ما زالت تطل برأسها أحياناً، في بعض المدن، وإن تراجعت كثيراً، وتقلصت أعداد المنتمين إليها. وهي باتت في الغالب تقتصر على مجموعات صغيرة من المراهقين الذين تراوح أعمارهم بين 14 و16 سنة من الجنسين.

هكذا طور القوميون المتشددون في روسيا تجربتهم.

والأكيد أنهم نجحوا في حشد تأييد واسع لنشاطهم من جانب الأحزاب السياسية حيناً، وأوساط برلمانية أو اجتماعية أو حتى في قطاعات أجهزة الشرطة والأمن أحياناً.

وفي الحادث الذي وقع أخيراً في سكن اللاجئين شمال موسكو، مؤشر مهم إلى مدى الثقة التي باتوا يتمتعون بها بأنهم لن يلاحقوا. «لأننا نعمل ضمن القوانين ونساعد الشرطة» كما يوضح سيرغي.

استيقظ قاطنو السكن ذلك الصباح على عشرات من الشبان اقتحموا المدخل وتوزعوا على الغرف يدخلون الأبواب المفتوحة منها بلا استئذان ويقرعون المغلق منها بعنف. والصيحات تقريباً موحدة وهي تدعو الجميع إلى التجمع في ساحة السكن وتطلب منهم اصطحاب الأوراق الثبوتية لفحصها.

وحتى عندما حاول البعض أن يتساءل بهلع ومن أنتم؟ جاءه الرد سريعاً: «هذا ليس شغلك انزل فوراً وسوف نفحص أوراقكم».

كان المشهد في الفيديو الذي نشر بعد ذلك لافتاً. مئات المهاجرين الأجانب يتدافعون نحو الساحة وصيحات حولهم تطلب منهم أن يقفوا عند الجدار بانتظار فحص أوراقهم.

وبعد قليل جاءت الشرطة. وتبين بالفعل أن بعض المقيمين لديهم مخالفات وتم احتجاز ستين شخصاً لترحيلهم وأغلقت الشرطة الملف من دون أن يسأل أحد المهاجمين: ومن أنتم؟ ولماذا تقومون بدور الشرطة؟

«جدار موسكو» واحدة من تشكيلات شبابية كثيرة، ظهرت خلال الفترة الأخيرة، وهي تضع خططاً لمهاجمة أماكن تجمع المهاجرين الأجانب، لا تقتل ولا تضرب إلا عند الضرورة، لكنها في الغالب تكتفي بالترويع ثم يتصل ناشطوها بالشرطة لتأتي وتحتجز المخالفين للقانون.

«لا بد من هذا التحرك، الشرطة لا تقوم بدورها ولذلك اتخذنا زمام المبادرة»، هكذا برر ليونيد غودكوف الناشط في المجموعة التحرك. و «حتى عندما تقوم الشرطة بواجبها لتنظيف المدينة من بعض المهاجرين غير الشرعيين فإن مشكلة الفساد تقف عائقاً أمام استكمال المهمة وليس نادراً أن يدفع المخالفون رشوة مقابل غض النظر عنهم لذلك نحن هنا لمراقبة الموقف وضمان أن يتم سجن المخالفين وترحيلهم».

عبارات واضحة لا تقبل الجدل. مع غياب دور الجهات الرسمية أو ضعفها «نحن سنقوم بالمهمة» هكذا ببساطة ومن دون خوف من ملاحقة.

في بعض الحالات اتخذ هذا التوجه منحى خطراً، ففي يكاتيرنبورغ عاصمة الأورال الروسي، ظهر تشكيل مشابه أطلق على نفسه تسمية «مدينة بلا مخدرات» تخصص في ملاحقة المهاجرين الأجانب تحت ذريعة أنهم سبب انتشار المخدرات وكل المصائب الأخرى. وقام ناشطون باختطاف مروجين وحبسهم في أقبية وتعذيبهم من أجل الحصول على اعترافات منهم بأسماء موزعي المخدرات ومصدريها إلى المدينة. طبعاً تدخلت الشرطة بعدما ذاع الخبر بفترة، وكانت النتيجة أن المروجين الصغار تم حبسهم وتحول قادة المجموعة إلى أبطال ولم تتم محاسبتهم بل روجت الصحافة لنشاطهم بشكل كبير، حتى أن زعيم المجموعة رشح نفسه قبل أيام لمنصب عمدة يكاتيرنبورغ.

ولم تعد عبارة «لا بد من أن نأخذ المبادرة لتنفيذ القوانين بأيدينا» تلفت أنظار كثيرين، على رغم ارتفاع أصوات حذرت من الظاهرة الشبابية الجديدة، وأشارت إلى أن ملاحقة المجرمين والمخالفين أمر ليس سيئاً لكن على الأجهزة المختصة القيام بذلك ولا يمكن السماح لتشكيلات شبابية بأن تشعر أنها صاحبة الحق بتنفيذ القانون في الشارع.

اللافت في الموضوع أن المبادرات الشبابية تحصل على تأييد غير معلن من جانب شرائح واسعة في المجتمع، ويتم تغذية التحريض على دعم نشاطها من خلال الإمعان في إظهار مساوئ الهجرة غير الشرعية وكيف أن «كل مصائب روسيا تأتي من هؤلاء المهاجرين». ويكفي أن استطلاعاً للرأي أجري أخيراً دل إلى أن 71 في المئة من الروس يدعمون تحركات حاسمة لطرد المهاجرين الأجانب من روسيا، في مقابل 54 في المئة كان عندهم الرأي ذاته قبل 17 سنة. ونحو 35 في المئة يعتبرون الأجانب أخطر على روسيا من الإرهاب والكوارث الطبيعية أو التقنية.

وتـقـول الأجهزة الأمـنية أن تـسـعـين في المئة من معدلات الجريمة في روسيا يقف وراءها أجانب مهاجرون. على هذه الخلفية يرى ناشطون أن تحركاتهم غدت ضرورة لا بديل منها. ويضيف ليونيد: «إذا كانت الأجهزة المختصة عاجزة أمام الخـطر لا بد من قـيام شبـاب روسـيا بحماية مستقبلها»! الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube