http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

المؤلف : توماس غومارت

كرس توماس غومارت، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «جنون العالم، التحديات الجيوسياسية العشرة»، ووابرزها مستقبل الاتحاد الأوروبي بين قوتين مهيمنتين (الولايات المتحدة والصين)، والدور الذي تستطيع أوروبا أن تلعبه إذا أرادت أن تكون كتلة رائدة لها موقعها على الصعيد العالمي وليس تابعاً للولايات المتحدة أمنياً وسياسياً.

لماذا السعي الأوروبي لـ«الاستقلالية الاستراتيجية»؟

حقيقة الأمر، أن فصول الكتاب العشرة كافة مترابطة فيما بينها. إلا أن عنوان الفصل المكرس للاتحاد الأوروبي (أوروبا التائهة) يعكس إلى حد كبير مقاربة وتحليل المؤلف الذي يرى أن القارة القديمة «تواجه تحدياً مزدوجاً: التحدي الوجودي من جهة، وتحدي تكيفها مع عالم اليوم من جهة أخرى». يضاف إلى ذلك عنصران رئيسيان: الأول، أن أوروبا تفتقر اليوم لمن «يجسد» طموح الاستقلالية الاستراتيجية. وقد يكون الكاتب في ذلك قد انتقص من الدور الذي يريد الرئيس ماكرون أن يلعبه على المسرح الأوروبي. والثاني تراجع تمسك الأوروبيين بالبناء الأوروبي الذي هو محصلة عقود من الجهود الجماعية. صورة الاتحاد، أنه «تراكم فضاءات متعددة، فضاء شينغن، فضاء اليورو، الفضاء الأوروبي الشامل…»، ومنطقة ازدهار اقتصادي متراجعة عن منطق القوة السائد حالياً في العالم. والحال أن الاتحاد ما زال بناءً سياسياً هشاً قائماً على التخلي عن أجزاء من السيادة الوطنية وعلى مبدأ التضامن والاندماج. والتحدي الرئيسي الذي يواجهه عنوانه المسعى ليكون لاعباً له تأثيره في العولمة واستعادة الحيوية الاقتصادية تمكنه من المنافسة على مستوى العالم، والأهم أن يتوصل لاكتساب المصداقية الجيوسياسية للتمكن من الدفاع عن نفسه» بحيث لا يبقى مرتهناً للإرادة الأميركية ومظلتها النووية.

المفارقة التي يتوقف عندها الكتاب تكمن في أن أوروبا كانت القوة المهيمنة في العالم منذ القرن الـ15 وحتى القرن الـ19؛ وذلك بفضل تفوقها التكنولوجي الذي جاء بعد الكشوف الجغرافية التي حققها بحارتها الكبار ومكّنتها من استعمار أميركا والتواجد في غالبية أصقاع العالم. أوروبا كانت «سيدة العولمة». إلا أن الحربين القاتلتين اللتين أشعل نارها الأوروبيون (الحربان العالميتان الأولى والثانية) قلصتا الهيمنة الأوروبية ونقلتاها إلى الضفة الأطلسية الأخرى، كما استولدت القوة السوفياتية ووفرت الشروط لقيام الحرب الباردة التي جعلت أوروبا تحت العباءة الأميركية. من هنا، وفق قراءة الكاتب، فإن قيام الكتلة الأوروبية التي تغير اسمها مع مرور العقود ليتحول إلى «الاتحاد الأوروبي» كان هدفه الأول منع قيام حروب إضافية بين الأوروبيين، وهو ما تحقق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل 75 عاماً، حيث عاشت أوروبا أطول فترة سلام وازدهار. إلا أنه لم يفض إلى قيام أوروبا القوة السياسية والعسكرية المتمتعة بالاستقلالية الاستراتيجية، حيث إن أوروبا ينطبق عليها القول إنها «مارد اقتصادي ولكن رجليه من طين». فأهم كتلة اقتصادية في العالم غير قادرة على التدخل في جوارها المباشر، أكان في المتوسط أو في أفريقيا، أي في المناطق التي تعرف العديد من البؤر المتفجرة، كما أن مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية يشل حركتها. ولعل أبلغ دليل على ذلك فشلها في التوافق على سياسة موحدة للتعامل مع الهجرات المكثفة وغير الشرعية التي تصل إلى شواطئها من بلدان شمال أفريقيا وعبر تركيا ومن مياه المتوسط ما يشكل لها تحدياً رئيسياً، خصوصاً على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ناهيك عن الصعوبات الثقافية والأعمال العنفية والإرهابية التي ضربت العديد من مدنها. ووفق الإحصائيات التي يوردها المؤلف، فإن 1.8 مليون مهاجر دخلوا إلى الاتحاد في عام 2015 غالبيتهم إلى ألمانيا. ورغم تراجع تيار الهجرات، فإن المهاجرين ما زالوا يتدفقون على الشواطئ الأوروبية، والأوروبيون ضائعون وتائهون، ويراهنون هنا على ألمانيا للجم التدفق، وهناك على سلطات ليبية غير موجودة لمنع انطلاقهم من مرافئها. إلا أن قناعتهم الراسخة أن هذا التيار لن يتوقف مهما اشتدت الإجراءات الأمنية ومخيمات اللاجئين غير الإنسانية، أكانت في الجزر اليونانية أو على الشاطئ الأفريقي ستبقى مصدر صداع لهم ودليلاً على عجزهم.

تبين دراسة صادرة عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية» ظهر في الكتابات الفرنسية منذ نحو العقد. ففي «الكتاب الأبيض» الصادر في العام 2013 الذي يرسم السياسة الدفاعية الفرنسية ورد هذا المفهوم 15 مرة، كما ورد 28 مرة في مجلة «الاستراتيجية الدفاعية والأمن الوطني» لعام 2017، منها سبع مرات تحت مسمى «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية». كذلك أخذ هذا المفهوم في الظهور في الوثائق الأوروبية منذ عام 2013، لكن ظهوره تكاثر في السنوات الأخيرة، ليس فقط في الوثائق الرسمية ولكن أيضاً في تصريحات المسؤولين الأوروبيين. لكن تجدر الإشارة إلى أن مشروع «الاستقلالية الاستراتيجية» لا يلقى فقط معارضة وزيرة الدفاع الألمانية «التي تعكس الموقف الألماني الرسمي الذي تعبر عنه المستشارة الألمانية»، بل خصوصاً شرق ووسط أوروبا التي خرجت حديثاً من سيطرة العباءة الروسية وانضمت إلى الحلف الأطلسي ولا تريد بأي يحال أن تقايض المظلة الأميركية «ومن ضمنها النووية» القائمة بمظلة أوروبية غير موجودة؛ إذ في الحلف الأطلسي الذي انضمت إليه تلك الدول سريعاً بعد انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي ضمانة لعدم الرجوع إلى الوراء. ويعني ذلك عملياً أن العديد من السنوات سيمر قبل أن تتحول الاستقلالية الاستراتيجية إلى واقع. وفي أي حال، يؤكد خبراء الشأن الأوروبي أن ترجمة «مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية» يختلف بين طرف وآخر، حيث إن بعضهم يراه «الى جانب» الحلف الأطلسي، بينما يريده البعض الآخر «بديلاً عنه». لكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني، وفق الكاتب، أن عضواً رئيسياً يملك القوة النووية ويتمتع بمقعد دائم في مجلس الأمن وبحق النقض «الفيتو» قد افتقده الأوروبيون في بحثهم عن الاستقلالية. من هنا، إصرار باريس وبرلين على بقاء لندن طرفاً في اتفاقيات الصناعات الدفاعية المشتركة. ثم هناك عامل آخر عنوانه في واشنطن. فمن المتفق عليه أن رئاسة ترمب دفعت الأوروبيين إلى السعي لتحقيق «الاستقلالية» الموعودة. لكن مع وصول بايدن إلى البيت الأبيض واستعداده لتوثيق العلاقة مجدداً مع الجناح الأوروبي للحلف لا يمكن استبعاد أن تضعف حماسة دعاة الاستقلالية. ومن المرجح أن يكون هذا العامل هو الدافع الذي جعل وزيرة الدفاع الألمانية تستبعد الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، علماً بأن برلين أعربت عن «قلقها» عندما كشفت إدارة ترمب عن رغبتها في تخفيض أعداد القوات الأميركية المرابطة على الأراضي الألمانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ ما يعني ضمناً أنها تسعى إلى «إغواء» واشنطن ودفع إدارة بايدن القادمة إلى تناسي ما كانت تريده الإدارة السابقة.

ماذا تعني «الاستقلالية الاستراتيجية»؟

قد يعتقد البعض أن هذا المبدأ يعني فقط الميدان العسكري، وهو ما يجانب الحقيقة؛ إذ إن المفهوم المشار إليه هو – بداية – ذو بعد سياسي رئيسي يتداخل مع الأبعاد التي تتناول مسائل الطاقة والتكنولوجيا والوصول إلى المعادن النادرة وإلى الفضاء الخارجي وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، وغيرها من الأبعاد التي من دون السيطرة عليها لن تتمكن أوروبا من الوصول إلى مرحلة «الاستقلالية الاستراتيجية». وجاء وباء «كوفيد – 19» ليبين انكشاف بلدان الاتحاد الأوروبي إزاء الصين والهند وعدم قدرته على توفير الأدوية واللقاحات والكمامات وأجهزة التنفس الصناعي بسبب سياسات المجموعات الصناعية الأوروبية في العقود المنصرمة التي فضلت ركوب قطار العولمة والانغراس في البلدان التي توفر لها أكبر قدر من الربحية بسبب ضعف الرواتب واليد العاملة. ومن غير توافر هذه العناصر، سيكون من الصعب على أوروبا أن تتحول إلى قطب فاعل إزاء ومؤثر إلى جانب قوى ثلاثة الولايات المتحدة والصين وروسيا رغم أن تياراً فكرياً واستراتيجياً يعتبر أن روسيا ليست قوة اقتصادية، بل إن حضورها مرده فقط لكونها قوة عسكرية «ونووية» تحاول العودة إلى المسرح العالمي من خلال اللجوء إليها «كما في أوكرانيا وسوريا وليبيا وجنوب القوقاز…».

يعتبر توماس غومارت أن عوامل عديدة داخلية «طاردة» تلعب ضد تحقيق ما يعتبره بعض الأوروبيين «الهدف الأسمى»، وأولها تراجع تعلق الأوروبيين بالاتحاد ووجود نزعات «انفصالية» داخله كما في إسبانيا مع «كاتالونيا»، وفي بريطانيا «اسكوتلندا»، وإيطاليا «لومبادريا»، وفرنسا «كورسيكا»، ناهيك عن خروج بريطانيا منه. ثم هناك عاملان ديموغرافي واقتصادي: سكان الاتحاد لن يشكلوا في السنوات القليلة المقبلة سوى 7 إلى 8 في المائة من البشرية، في حين نسبة كبار السن سوف تتنامى. واقتصادياً، ستتراجع رتبة الاتحاد؛ إذ إن حصته من الناتج العالمي الخام كانت في عام 2012 تزيد على 23 في المائة، ستتقلص إلى 15.5 في المائة، بينما حصة الصين مثلاً ستستمر بالنمو لتصل إلى 24.9 في المائة «مقابل 11.5 في المائة في عام 2012».

يعتبر المؤلف أن تمسك الأوروبيين بـ«الإدارة التعددية لشؤون العالم» يسير بعكس التيار السائد الذي تنهجه القوى الرئيسية الثلاث، من هنا الحاجة إلى أن تثبت أوروبا موقعها. ورغم العقبات المشار إليها التي تعيق الوصول إلى «الاستقلالية الاستراتيجية»، فإن الأوروبيين يتعاونون في المجال العسكري الذي كان عماده فرنسا وألمانيا وبريطانيا. وثمة علامات استفهام تطرح بشأن لندن وما إذا كان خروجها من الاتحاد سيجعلها تتخلى عن البرامج العسكرية أو الصناعات الدفاعية الأوروبية التي كانت ضالعة فيها، وسيدفعها للالتصاق بواشنطن أي بالحلف الأطلسي. وفي أي حال، يعتبر الكاتب أن المحور الفرنسي – الألماني سيبقى في المستقبل كما كان في الماضي الأساس الذي بني عليه الاتحاد والقوة الفاعلة التي يمكن أن تدفع لمزيد من الاندماج.

تهديد من الداخل يقول المؤلف «إن أوروبا تستشعر (جنون العالم) (عنوان الكتاب) أكثر من غيرها من بين مناطق العالم. والسبب أن نخبتها والمواطنين يرون أنها لم تعد تمسك مصيرها بيديها. أوروبا فرضت إيقاعها على العالم طيلة خمسة قرون وجاءت الحربان العالميتان لتقضيا عليه إلى أن جاء المشروع الأوروبي القائم على التصالح بين الشعوب الأوروبية ليعدي الأمل. والحال أنه اليوم مهدد من الداخل في حين يخضع لضغوط من الخارج، وهو الطي يفرض إيقاعه. وهذا الواقع لا يتعين أن يدفعنا إلى الإحباط، بل إلى بذل جهود مضاعفة من أن نستمر في التأثير على العولمة». ويتوقف المؤلف عند «الاستحقاقات» أو التحديات التي يتعين على الاتحاد أن يواجهها «الآنية ومتوسطة وبعيدة الأجل» ليبقى طرفاً فاعلاً، مشدداً على أن أوروبا كـ«كتلة» قادرة على التأثير أكثر من أي دولة بمفردها وفي منظاره «ميزات» أوروبية يمكن أن يكون لها وزنها في العالم المعولم مثل استمرار أوروبا كقطب جاذب قوتها الاقتصادية وليبراليتها وأسلوب الحياة الأوروبي والقوة «الناعمة»… وفي هذا كله، لا يجافي المؤلف الحقيقة والواقع. إلا أن أوروبا بذلك تبقى بعيدة وبعيدة جداً عن أن تتمكن من «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يقدر أن تبقى حلماً للقادم من الأجيال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube