http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

اتخذت حركة الاحتجاج ضد الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، وما تفرضه الحكومات لمواجهتها من تدابير تقشفية، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي بعداً عالمياً.
فمن نيويورك إلى شيكاغو، ومن سيدني الى مدريد مروراً بلشبونة، برلين، باريس، لندن، روما، زيوريخ، هونغ كونغ، سانتياغو، طوكيو، امستردام، وقائمة المدن والدول كبيرة، نزل عشرات الآلاف الى الشوارع للتنديد بالأزمة الاقتصادية وانعكاساتها على المواطنين. وأيضاً ضد النظام المصرفي العالمي الذي يحاول ترفيع الطبقات الفقيرة والوسطى ثمن إدارته للشؤون المالية ولانعكاساتها الاقتصادية، وأيضاً ضد السياسيين الذين تواطأوا مع المصارف، وضد سياسة التقشف التي تحاول الحكومات الأوروبية فرضها على شعوبها بشكل خاص.

حركة من نوعٍ جديد
كان يجب انتصار أن تصل الحركة الاحتجاجية، وهي من نوعٍ جديد، منددة بسيطرة الرأسمال المالي والمصارف على الاقتصاد العالمي، الى الولايات المتحدة الأميركية حتى تنطلق الحركة وتتسع لتأخذ مستوى دولي شمل أكثر في ثمانين بلداً. وانطلقت الحركة في البرتغال في شهر مارس الماضي بعد التظاهرة العملاقة التي شهدتها لشبونة وبورتو، وتلقفها الاسبانيون في شهر مايو – وأطلقوا عليها الحركة الاحتجاجية تيمناً بدعوة ستيفان هيسيل المفكر الفرنسي والسفير السابق، الذي أطلق صرخة للشباب تدعوهم الى الاحتجاج بالرغم من سنينه الاثنتين والتسعين. ولاقى الكتاب رواجاً هائلاً في فرنسا، حيث بيع منه أكثر من مليون نسخة وترجم الى الألمانية والاسبانية ولاقى نجاحاً كبيراً أيضاً وبعد اسبانيا انتقلت الحركة الى اليونان واخذت اسم المصممون.
واذا كان ما شهده اكثر من ثمانين بلداً جاء تحت شعارات متشابهة مثل «لنتحد من اجل تغيير عالمي» و«اليوم العالمي للغضب» او «يا شعوب العالم انهضي»، فإن الحركة الاحتجاجية التي لم يتردد البعض في اسبانيا وايطاليا في نسبة ابوتها الى الربيع العربي، ستشكل املاً في لحظات اليأس وصرخة لشباب في اوروبا وفي العالم، ترفض ان يدفع ثمن سياسات ومواقف وقرارات غير معني بها، وهي تسبق حتى ولادة قسم كبير منه.

الريغانية والتاتشرية
المطالب التي يرفعها المتظاهرون هائلة ولكنها غير محددة، فهي اقتصادية وسياسية واجتماعية في آن، وتختصر بكلمة واحدة: جعل الانسان في صلب الاقتصاد وليس ابقاؤه في خدمة المال النظام المصرفي.
المتظاهرون هتفوا بكل اللغات، وفي مختلف القارات ضد سيطرة الرأسماليين او المصرفيين على الشؤون العامة وعلى مقدرات بلدانهم.
طالبوا بديموقراطية حقيقية، ديموقراطية المشاركة في الحياة الاقتصادية، والكثيرون منهم اعتبر تظاهرات يومي السبت والاحد الماضيين البداية والخطوة الاولى نحو ديموقراطية النظام المالي.
وطالبوا بالعدالة الاجتماعية ونددوا بالتقشف واستخدام المال العام لتعويم خسائر المصارف وتعويضها.
الجيل الجديد بنزوله الى الشوارع اعرب عن رفضه لسياسة غسل الدماغ التي خضع لها اهله حول انتصار قيم الغرب واقتصاد السوق، وتحديداً حول الانتصار الايديولوجي لليبرالية الجديدة التي جسدها الثنائي الرئيس الاميركي السابق رونالد ريغان ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر، وحاول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تسويقها في فرنسا، في البداية عندما كان مرشحاً لرئاسة الجمهورية، وفي بداية عهده بعد وصوله الى قصر الاليزيه. ولكن انفجار ازمة «السوبريم» حد من توجهات ساركوزي هذه.

الجيل الجديد
كمال ان الجيل الجديد الذي يطلب منه دفع ثمن هذه السياسة، وما جلبته من خراب وما ستأتي به بعد من مآس اقتصادية واجتماعية، يرفض ان يكون شاهد زور على السياسات التي اتبعتها الحكومات على مدار ثلاثة عقود، ويأخذ ع‍لى النخب الحاكمة انها تواطأت مع المصارف وهي تحاول اليوم تدفيعه الثمن.

وماذا بعد؟
السؤال الذي يطرح هو هل ستستمر الحركة الاجتماعية العالمية؟ وماذا بمقدورها ان تفعل؟.
من المبكر الإجابة عن هذا السؤال. كما انه يصعب التوقع إلى أين يمكن ان تنتهي هذه الحركة.
كل شيء يتوقف على قدرتها على إبراز قيادات قادرة على تجميع طاقاتها وتوحيدها لبلورة رؤية واضحة لخطة عمل قادرة على الضغط، من خلال تعبئة الرأي العام للحصول على نتائج ملموسة وتحقيق انتصارات محددة، وإلا فإنها قد تفتح الطريق أمام قوى سياسية قادرة على استغلالها.
هذا الكلام لا ينطبق على كل البلدان، ولكنه قد يصح على العديد منها وخصوصا الأوروبية، التي تشهد، ومنذ عدة سنوات، صعود اليمين المتطرف، مع ما يعنيه ذلك من أن مواطني هذه الدول بدأ ينتابهم اليأس من الأحزاب السياسية التقليدية، اليسارية أو اليمينية على حد سواء، ويشككون في قدرة هذه الأحزاب على الاستجابة الى تطلعاتهم.

حركة شعبية
وإذا لم تنجح الحركة الاحتجاجية بالتحول الى حركة شعبية تجعلها قادرة على الضغط على الطبقة السياسية لتبني مطالبها، فإنها عندها ستكون عبارة عن فقاعة صابون سرعان ما تتلاشى.
وفي الحالة الفرنسية، تجد الحركة الاحتجاجية، إذا ما تمكنت من جذب الفرنسيين نفسها في وضع جيد وأمام امتحان صعب، لأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية باتت على الأبواب، وبالتالي فإنها، إي الحركة الاحتجاجية، تملك فرصة نادرة للضغط على المرشحين لرئاسة الجمهورية، وأيضاً على المرشحين الى مجلس النواب. واذا ما نجحت في ذلك فسيكون بمقدورها التطور والاستمرارية لوقت طويل يكفي لإعادة إعطاء السياسة وظيفتها الأساسية في خدمة الإنسان، وفي تعميق الديموقراطية.

المفارقة
خلال اليومين الماضيين حصل المحتجون في ألمانيا وإيطاليا على دعم لم يكن أحد يتوقعه. ففي فرانكفورت غمز حاكم المصرف المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه المحتجين أمام مقر البنك. ورد في مقابلة على سؤال عن معاني غمزته هذه بالقول: «هناك مجموعة من العبر التي يجب ان تستخلص، وهي دروس قاسية، لانه من غير الممكن ترك نظام مالي عالمي في وضع هش».
تريشيه دافع عن دور المصارف فهي تموّل ثلاثة أرباع الاقتصاد العالمي، ولكنه دعا الى تعزيز قواعد الحيطة والحذر.
والدعم الثاني حصل عليه المحتجون الإيطاليون حيث أعلن ماريو دراغي حاكم المصرف المركزي الإيطالي، الذي سيخلف تريشيه بعد شهر، انه «يتفهم غضب المحتجين ضد عالم المصارف».
وعلى غرار الربيع العربي يلعب الفيسبوك وغيره من أدوات التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في الحركة الاحتجاجية العالمية.
ومن الرسائل المتداولة ننقل الرسالة التالية:
يجب ان تستمر هذه الحركة وان يكون نفسها طويلاً.
أو «إن الحركة الاحتجاجية ستتحول الى ثورة عالمية ضد النظام المصرفي العالمي».
أو «يجب عدم الاكتفاء بالكلام وتحويل المواقف إلى أفعال».

القبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube