http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
لم يحدث أن شرعت في قراءة أو كتابة مقال عن الصين إلا وتزاحمت أمام عيني مشاهد من الصين كما تركتها أول مرة منذ نصف قرن أو ما يزيد. تزاحمت الصور هذا الأسبوع عندما وقعت في يدي مقالات عن زيارة روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي للصين، وعن إطلاق الصين مركبة فضائية، وإجرائها تجربة على طائرة صينية من طراز الشبح، وزيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة. كنت مع كل تحقيق أو مقال من هذه المقالات أشرد بعيدا في الماضي، أقارن رغما عني بين عظمة الانطلاقة الصينية الراهنة لاحتلال موقع مناسب في قيادة النظام الدولي، وبين عظمة انطلاقة الصين في أواخر الأربعينيات ومعظم الخمسينيات لتحطيم أغلال مرحلة بؤس وشقاء وعبودية
وصل الرئيس هو جينتاو إلى الولايات المتحدة أمس الأول في «زيارة دولة»، لمدة يومين. أؤكد على عبارة «زيارة دولة» لأنه في الزيارة السابقة التي جرت عام 2006 رفض الرئيس بوش رفع مستوى الزيارة من زيارة رسمية إلى درجة زيارة دولة تعبيراً عن غضب أميركا على الصين. والمعروف أن الفرق بين الدرجتين شكلي، بمعنى أن الضيف الذي تستقبله واشنطن في «زيارة دولة» يحظى بحفل عشاء فاخر في البيت الأبيض، بينما إن كانت زيارته رسمية، أي عادية، فلن يحصل هو وحاشيته على أكثر من غداء سريع.
تأتي زيارة هو جينتاو هذه في نهاية مرحلة غلب فيها التوتر على علاقات الدولتين. أما أسباب التوتر فكثيرة وبعضها تفاقم مؤخرا. ولكن ما يدفع إلى ارتياح البعض هو رغبة الطرفين باستمرار الحوار للتوصل إلى فهم متبادل لنيات الطرفين، الواحد تجاه الآخر، ونواياهما تجاه مستقبل النظام الآسيوي، وخطط الدفاع عن المحيط الهادئ. يتفق المتخصصون في الدولتين على أن نقاط الخلاف المعلنة لا تخرج عن المجالات الآتية، التجارة وقيمة العملة ومبيعات السلاح الأميركي إلى تايوان وقضية التيبت والمناورات البحرية الأميركية في المياه القريبة ومشكلات كوريا الشمالية ومسائل الحريات وحقوق الإنسان، إلى جانب ما ينشأ بين الحين والآخر من مشكلات بسبب الخلافات بين الصين ودول في جنوب شرقي آسيا حول بعض الجزر في بحر الصين الجنوبي وبين الصين واليابان حول جزيرتين في بحر الصين الشرقي. أما ما خفي من أسباب فهو بالتأكيد أعظم شأناً.
قبل أيام من بدء زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة قام روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي بزيارة للصين دامت ثلاثة أيام بعد ثلاثة أعوام من توتر العلاقات بين المؤسستين العسكريتين الصينية والأميركية. جاءت زيارة غيتس بهدف معلن وهو رغبة الجانب الأميركي في إقناع الصينيين بوقف التعتيم المفروض على عملية تطوير القوات المسلحة الصينية وضخامة الميزانيات المخصصة لهذا التطوير، وبانتهاج الشفافية في العلاقة بين المؤسستين العسكريتين في الدولتين. تصادف، أو لعله كان مقصودا، أن بثت محطة تلفزيونية محلية في إحدى المقاطعات النائية في الصين شريطا عن تجربة أجريت في قاعدة عسكرية بالمقاطعة، لإطلاق سفينة فضاء صينية مزودة بأسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، وقادرة على البقاء في الفضاء لمدة طويلة، أي شهورا متصلة، وقادرة في الوقت نفسه على إصابة أهداف على الأرض أو البحر بدقة متناهية. وفجأة، وقبيل وصول غيتس إلى الصين، اختفى الشريط من شبكة الإنترنت، واختفت أخباره من الصحف، ورفض حاكم المقاطعة الذي شهد إطلاق السفينة الإدلاء بأي تصريح يؤكد أو ينفي وجود الشريط ونجاح أو فشل التجربة. وفي اليوم نفسه تسربت أنباء عن تجربة أجرتها الصين على طائرة جديدة من طراز الشبح، وعندما اجتمع غيتس بالرئيس الصيني وبحضور وزير الدفاع تعمد غيتس أن يسأل الرئيس عن الطائرة سعياً وراء معرفة مناسبة الإعلان عنها، وهنا وقعت المفاجأة التي أذهلت غيتس والحاضرين وما زالت محور اهتمام الإعلام الغربي، إذ استدار الرئيس الصيني ناحية وزير دفاعه ليستفسر عن الموضوع، الأمر الذي أوحى للجميع أن رئيس الدولة في الصين لا يشترك في صنع قرار على هذه الدرجة من الأهمية. ومنذ تلك اللحظة يدور في الأوساط الأكاديمية والسياسية الأميركية جدل مكثف حول عملية صنع القرار في الصين، هذه الدولة الصاعدة نحو مواقع العظمة مزودة بأحدث الأسلحة وباستراتيجية للحرب الفضائية وطموحات لم ترق إليها طموحات دولة أخرى منذ أن استعدت الولايات المتحدة لإزاحة الإمبراطوريات الغربية لتحل محلها.
يبدو واضحاً أن مراكز القرار في الصين متعددة إلى الحد الذي يجعل من الصعوبة بمكان على محللي السياسة الخارجية ومخططيها في دول الغرب الإحاطة بما يدور في هذه المراكز، ولكن الأخطر بالنسبة لهؤلاء كما يقولون هو أنها تجعل من الصعوبة بمكان الاطمئنان إلى أن ما يقع الاتفاق عليه مع حكومة الصين سوف يجد طريقه إلى التنفيذ حسب ما اتفق عليه. ويضرب الأميركيون المثل بما لم ينفذ مما جرى الاتفاق عليه خلال زيارة أوباما في عام 2009 إلى الصين.
غريب في نظرهم أمر القائمين على حكم الصين، ففي حين لا يستطيع الغرب معرفة مصير اتفاق يفكر في عقده مع الصين وفي حين لا يعرف الدبلوماسيون الغربيون مع من يمكنهم التحدث في شأن من الشؤون التي تهم أمن ورخاء الطرفين، يعرف الغرب بالدقة والتحديد من سيكون الرئيس القادم لجمهورية الصين الشعبية وفى أي يوم وأي سنة، وهي بالمناسبة عام 2012. يعرفون بالتأكيد أن الرئيس الحالي هو جينتاو لن يخلد في منصبه وأن الرئيس القادم جرى انتخابه علانية ويجرى الآن إعداده لمسؤوليات الرئاسة، ومن ورائه صف من القادة من ذوي الأعمار المتوسطة يتدربون استعدادا ليوم يطرحون أنفسهم أو تطرحهم، جهة ما في الصين، مرشحين للرئاسة أو ما دونها. واحد من هؤلاء تابعت زياراته في ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا الأسبوع الماضي كما تابعت خطبه وتصريحاته وإجاباته العفوية على أسئلة الصحافيين الأوروبيين. تابعته وهو يساوم الأوروبيين على إنقاذ اليورو أسوة بما تفعله بلاده لدعم الدولار، وبالفعل بدأ بإسبانيا التي حصلت، بعد مفاوضات مثيرة، على صفقة اشترت الصين بمقتضاها سندات حكومية بمبالغ كبيرة.
كشفت تطورات العام الفائت عن تطور مذهل حققه النظام السياسي الصيني. لم تعرف الصين في تاريخها الحديث تعددية في مراكز صنع القرار. ففي مرحلة انفرد تشيانج كاي شيك رئيس الدولة ورئيس حزب الكومينتانغ بالقرار، وفى مرحلة أخرى انفرد به الرئيس ماوتسي تونغ، وفى مرحلة ثالثة انفرد به دنج شاو بنغ الرئيس الذي أطلق عهد الانتقال من الانغلاق إلى الانفتاح الاقتصادي. وأعتقد أن المؤرخين سوف يتوقفون طويلا عند عام 1997 كتاريخ الانتقال من مركزية القرار في الصين إلى تعددية مواقع اتخاذه.
يبدو هذا التطور للوهلة الأولى معقولا بالنظر إلى أن الحزب الشيوعي الصيني، يضم حوالي ثمانين مليون عضو ينتشرون في أنحاء شاسعة، وبالنظر إلى أنه لم يكن يوما حزبا كرتونيا، حسب وصف المصريين لأحزابهم السياسية، بل كان بوتقة صهر لقوميات شتى، بل ومفاعل أنتج كفاءات سياسية مبهرة. يجمع بين الثمانين مليونا مزيج أيديولوجي المكون الأساسي فيه هو القومية الصينية. ففي الوقت الذي كان ماوتسي تونغ يحرم رفع شعارات قومية، كان يستخدم بكثافة جوانب معينة من التاريخ القديم، فضلا عن أنه اعتمد الولايات المتحدة عدوا أول، وخطرا أعظم يهدد سلامة الصين ووجودها. ما يحدث الآن هو انحسار التركيز على المكون الاشتراكي، وتصعيد التركيز على المكون القومي. الآن يعود التاريخ الصيني ليحتل مكانة متقدمة جدا في البناء الثقافي للصين الحديثة، وتحظى الانجازات العلمية والعسكرية والاقتصادية بما تستحقه من إشادة وتمجيد في الإعلام الرسمي والتربية الحزبية، هذا بالإضافة إلى السياسة الثابتة بخصوص استخدام الشكوك المتأصلة لدى الشعب الصيني في نيات الولايات المتحدة واليابان.
أدلى الأدميرال مايك مولين قبل أيام من بدء زيارة الرئيس الصيني لأميركا بتصريحات جاء فيها أن الصين تستثمر أموالا طائلة في قطاعات تكنولوجية متفوقة للغاية، ويقول إن ما يهمنا كأميركيين هو أن نعرف لأي غرض تركز الصين على الاستثمار في هذا المجال. أستطيع فهم القلق الذي يبدو واضحا في تصريحات هذا القائد العسكري وغيره من المسؤولين الأميركيين بشأن تصاعد قوة الصين، وبالأخص تصاعد لهجة التحدي في الخطاب السياسي والاستراتيجي الصيني. قليلون الذين ينكرون أن الفجوة التي تفصل الصين عن الولايات المتحدة تضيق عاما بعد آخر، لكن الأهم بالنسبة لصانعي السياسة في أميركا هو السرعة التي تضيق بها هذه الفجوة والسرعة التي يجرى بها انتقال مركز الثقل الاستراتيجي في العالم من الأطلسي إلى الهادي. وما زال الكثيرون في أميركا، وبخاصة داخل الكونغرس يحلمون بمواجهة طويلة مع الصين أسوة بالمواجهة التي نشبت مع الاتحاد السوفياتي على امتداد ثلاثين عاما أو أكثر وحققت رخاء ملموسا في الاقتصاد الأميركي وتوسعا في النفوذ السياسي لأميركا في الخارج. آخرون يطالبون حكومتهم وحكومات أوروبا بتكثيف جهودهم لإجبار حكومة بكين على إدخال تغييرات جوهرية في نظام الحكم والقوانين الداخلية وأخلاقيات السياسة ومناهج الاقتصاد في الصين.
يجتهدون في الغرب، وأميركا خاصة، لابتكار أساليب تعجل بالتغيير السياسي الداخلي في الصين. ويجتهدون في الصين لابتكار أساليب تعجل بالتغيير في توزيع القوة وقواعد العمل في النظام الدولي. من يسبق من؟ هل تسبق أميركا فتنجح في تغيير النظام الصيني قبل أن يتغير النظام الدولي أم تسبق الصين فتحقق حلم تغيير النظام الدولي لصالحها وصالح دول الجنوب قبل أن تتغير الصين من الداخل. جميل مطر السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube