http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وفي اجتماع لمناقشة اقتراح الرئيسدونالد ترامب بسحب جزئي أو كلي للقوات الأميركية من أفغانستان، قال ترامبالعبارة التالية: «السبب وراء وجود روسيا في أفغانستان عام 1979 كان لأنالارهابيين هناك أرادوا استهداف الداخل الروسي، وقد كان للروس الحق فيالوجود هناك». أثارت تلك العبارة غضب «مؤسسة الأمن القومي الأميركية»،بجناحيها: 1- البنتاغون (وزارة الدفاع)، 2- مجمع الاستخبارات الوطني (تمتأسيسه عام 1981. ويضم 16 وكالة استخبارات بما فيها وكالة الاستخباراتالمركزية (CIA، مادام أن هذا أول خروج «عن النص» عند مسؤول أميركي تجاه حدثمفصلي في الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو حيث كان الغزو السوفياتيلأفغانستان (27 ديسمبر 1979) قد وصفه مستشار الأمن القومي الأميركي زبيغنيوبريجنسكي بعد يومين من حصوله بالتالي: «الحلم القديم لموسكو في تحصيل ممرمباشر إلى المحيط الهندي»، في تلميح منه لما يهدد باكستان من ذلك الغزو،وقد استنفرت الإدارة الأميركية عند كارتر وريغان كل جهودها لهزيمة السوفياتهناك من حلف مع باكستان واستخدام للتنظيم العالمي لـ«الإخوان المسلمين» منأجل جلب عشرات الآلاف من «الأفغان العرب» ودعم المعارضة الأفغانية المسلحةالتي كانت تسيطر على نصف البلاد في زمن حكم الشيوعيين الأفغان البادىء منذ 27 نيسان (إبريل) 1978. من أجل وضع ترامب في الزاوية الضيقة تم رفع الستار عن جزء من الأرشيف السريالاستخباراتي، وتسريبه للصحافة: البرقية السرية من القائم بالأعمالالأميركي في أفغانستان أرشر بلود، بعد اجتماعه السري في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1979 مع الرئيس الأفغاني حفيظ الله أمين، وتعبير الأخير، وهو الذييرأس نظاماً شيوعياً موالياً لموسكو، عن استعداده لفتح صفحة جديدة معواشنطن والابتعاد عن موسكو. من أجل ذلك أيضاً تم الكشف لأول مرة أميركياًعن معلومات سرية تملكها واشنطن عن أن انكشاف ذلك الاجتماع من قبل الكرملين،ومخاطر أن يتحول أمين إلى محاكاة تجربة أنور السادات الذي أفقد السوفياتنفوذهم في مصر، قد دفع المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي لاتخاذ قرارفي 12 ديسمبر بالتخلص من أمين واستبداله بشيوعيين أفغان موالين لموسكو،وأنه من أجل ذلك جرت محاولتين لتسميم أمين عبر الشراب (13 ديسمبر)، وعبرالطعام (20 ديسمبر)، وعندما لم تنجحا جرى الغزو السوفياتي العسكريلأفغانستان (75 ألف جندي) في 27 ديسمبر وقتل أمين واستبداله ببابراككارمال. تكرر هذا من ترامب في 29 كانون الثاني (يناير) عندما وصف التقرير الذي قدمهدان كوتس، مدير مجمع الاستخبارات الوطني، عن «التهديدات الماثلة أمامالأمن القومي الأميركي» بـ«الساذج»: عبر الحادثتين المذكورتين تم تظهير مدىالهوة العميقة القائمة الآن بين المؤسستين الرئيسيتين في الإدارةالأميركية، أي البيت الأبيض و«مؤسسة الأمن القومي الأميركية». لا يوجدسابقة في التاريخ الأميركي، لماهو موجود الآن في واشنطن، سوى الذي حصل عام 1951 عندما أقال الرئيس هاري ترومان الجنرال ماك أرثر من منصبه قائداًللقوات الأميركية في كوريا في ذروة الحرب الكورية (1950-1953)، لما خالفالجنرال في تصريحات علنية سياسة ترومان في عدم تصعيد المرقف عسكرياً وتجنبالصدام العسكري مع القوات الصينية التي تدخلت لصالح الكوريين الشماليين،وقد كانت حسابات ترومان منطلقة من واقع وجود معاهدة عسكرية صينية – سوفياتية، للتعاون المتبادل في حال هجوم على أحد الطرفين، عقدها ماوتسيتونغ مع ستالين عند زيارته موسكو في شباط (فبراير) 1950. لم يكن صدامترومان مع ماك أرثر صداماً مع كامل المؤسسة العسكرية، وإن كان الجنراليتمتع بشعبية كبيرة عند الأميركان وهو الذي قاد الحرب مع اليابان واستلمصكوك استسلام الأخيرة 1945، حيث وقف وزير الدفاع الجنرال جورج مارشال ورئيسهيئة الأركان المشتركة الجنرال عمر نلسون برادلي مع ترومان. في عهدأيزنهاور لم يحصل التباعد حيث كان عسكري سابق في البيت الأبيض، ولكن في عهدكينيدي (1961-1963) لم تكن وكالة الاستخبارات المركزية راضية عن اتفاقاتكينيدي – خروتشوف، التي أعقبت أزمة الصواريخ السوفياتية في تشرين الأول 1962، التي كان سحب الصواريخ من كوبا في تلك الاتفاقات مقابل تعهد كينيديعدم السعي لاسقاط حكم كاسترو على غرار ما جرى في نيسان (إبريل) 1961 عندمانظمت وكالة الاستخبارات الأميركية عملية «غزو خليج الخنازير» عند الساحلالكوبي عبر تعاونها مع المنفيين الكوبيين، والتي أدى فشلها لاستقالة مديرالوكالة ألان دالاس ولو بعد أشهر عدة. في الحرب الفييتنامية (1964-1975) كان البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية في انسجام كامل مع البيتالأبيض. ظهرت توترات واحتكاكات في زمن كارتر ولكن لم تكن صدامية، ثم سادالانسجام في عهود ريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وباراك أوباما. في عهد ترامب هناك سجل صدامي مع «مؤسسة الأمن القومي». بعد انتخابه وقبلدخوله البيت الأبيض في 20 كانون الثاني 2017، قال عنه جون برينان مديروكالة الاستخبارات المركزية (تقاعد من منصبه قبل ثلاثة أسابيع من توليترامب منصبه)، التالي: «لا أظن أنه يملك الإدراك الكافي للقدرات الروسيةوللممارسات الروسية التي تجري في أماكن عدة من العالم». ظل برينان في وضعانتقادي هجومي على ترامب لدرجة اضطر الرئيس الأميركي كي يسحب منه التصريحالأمني في آب (أغسطس) 2018، وقد كان ملفتاً أن يتضامن مع برينان ضباط كبار،منهم الأدميرال المتقاعد ويليام ماكرافين القائد السابق للعمليات الخاصةالمشتركة.في نيسان 2018، واثناء تحضير ترامب قراره بسحب التوقيع الأميركيعلى الاتفاق النووي مع إيران، تصادم مع مستشاره لشؤون الأمن القومي الجنرالهربرت ماكماستر، الذي استقال لخلافه مع الرئيس في شأن ايران وتقارباتهالمزمعة من كوريا الشمالية. كان مكماستر من الجنرالات الذين خدموا فيالعراق وقد أعرب عن انتقاده لسياسة صدامية مع طهران يمكن أن تكون «باهظةالتكاليف». كان الصدام الأكبر لترامب مع البنتاغون بسبب قرار 19 ديسمبر 2018 الذي أصدره الرئيس الأميركي بسحب القوات العسكرية الأميركية من سورية. في اليوم التالي استقال احتجاجاً وزير الدفاع جيمس ماتيس. في ذلك الاجتماعحول أفغانستان الذي جرى قبل قليل من قرار ترامب حول سورية كان هناك تنازعبين ترامب والبنتاغون حول نية ترامب سحب القوات الأميركية من أفغانستان. يمكن لتقرير دان كوتس أن يلخص الموقف. في ذلك التقرير هناك تحديد لخمستهديدات ماثلة أمام أميركا وفق الترتيب التالي: الصين، روسيا، إيران، كورياالشمالية، داعش. اختلف ترامب علناً مع التقرير بخصوص الموضوع الإيراني. هو، كما وضح من ميوله خلال السنتين الماضيتين أثناء وجوده في البيت الأبيض،لا يرى في روسيا عدواً، كما السائد في البنتاغون، بل شريكاً ممكناً لتطويقالصين، وهو متباين مع عسكريي البنتاغون في رؤيته لضرورة احتواء ومراضاةكوريا الشمالية، من أجل التفرغ لمجابهة طهران. لم يهاجم ترامب تقرير كوتسفي الموضوع الروسي، بل اختار الموضوع الإيراني كـ«كعب أخيل» التقرير ليصفهبـ«الساذج»، داعياً أفراد الاستخبارات لـ«العودة للمدرسة»، عندما لم يرواما يراه ترامب من حجم الخطر الإيراني. رؤية ترامب للخطر الإيراني تجعلهيميل للوجود العسكري الأميركي في العراق حيث النفوذ الإيراني الأكثر أهميةلطهران، وهو يرى الوجود العسكري الأميركي في سورية وأفغانستان أقل أهمية منالوجود في بلاد الرافدين.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube