http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

يحبس العالم أنفاسه بانتظار نشوب حرب عالمية تجارية بين الولاياتالمتحدة الأميركية والصين، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤخراًفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الألمنيوم والحديد الصلب، ويشمل ذلكبضائع صينية بقيمة 60 مليار دولار أميركي. ذرائع ترمبساقت الإدارة الأميركية أسباباً أربعة لهذا الإعلان، وهي: أولاً: عدوان الصين على حقوق الملكية الفكرية، حيث تدعي الولايات المتحدةأنّها تتعرض لخسارة تبلغ مئات الملايين من الدولارات سنويا، نتيجة لتغاضيالصين عن العدوان على الحقوق الفكرية للمنتجات الأميركية. ويعني ذلك خسارة مليارات الدولارات على مدى سنوات، وهو ما تنفيه الصينوتطلب من المتظلّمين اللجوءإلى المحاكم والقوانين المحلية، التي تقول إنهاتكفل المحافظة على الحقوق الفكرية. ثانياً: معاملة الصين بالمثل، إذ تفرض الصين جمارك بنسبة 25% -حسب قولالرئيس الأميركي- على السيارات الأميركية. ثالثاً: التلاعب الصيني بأسعار العملة المحلية (اليوان) كي تبقيها متدنيّةأمام الدولار الأميركي، وهو ما يجعل قدرة الصين التنافسية على التصديرأكبر، نتيجة رخص بضائعها وصعوبة استيراد البضائع الأميركية بسبب ارتفاع سعرالدولار مقابل اليوان. رابعاً: تعديل الميزان التجاري بين البلدين الذي يميل بشدة نحو الصين، إذيبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بينهما قرابة 800 مليار دولار، ويبلغمقدار العجز التجاري لصالح الصين حوالي 375 مليار دولار. ويرد الصينيونقائلين إنهم لا ذنب لهم في عجز البضائع الأميركية عن المنافسة بالقدرالمطلوب. من جانبها؛ أعلنت بكين أنّها سترد على الخطوة الأميركية التي وصفتها بأنهاغير مبرّرة، وطالبت واشنطن بالتفاوض لإيجاد حلول للأزمة. ووسط تجاهل أميركيللعرض الصيني؛ أعلنت بكين إجراءات مضادة بفرضها -كرد أوليّ- رسوما جماركيةعلى منتجات زراعية أميركيّة بقيمة ثلاثة مليارات دولار أميركي. وبدورها؛ أعلنت منظمة التجارة العالمية -التي طالما سعت أميركا لإقناع دولالعالم بالانضمام إليها وإزالة الحواجز أمام توسعها- أنّ الإجراءاتالأميركية غير قانونية، مما أغضب واشنطن عليها فأعلنت أنّها ستعاقب المنظمةواتهمتها بعدم الفاعليّة. وفي عملية فتح للنار على الجميع؛ كانت رسوم ترمب الجمركية ستشمل الحلفاءالأوروبيين، ولكنّه سرعان ما تراجع عن ذلك. وشمل هذا التراجع أيضا كلاً منكندا والمكسيك، شريطة أن تقوم هذه الدول بتقديم تنازلات للولايات المتحدةفي مجالات أخرى. يبدو أنّ ترمب يعتقد أنّ الحروب الاقتصادية سهلة وغير مكلفة، كما صرح بذلكفي إحدى تغريداته؛ ولذا فإنّه -على ما يبدو- يريد جني مكاسب ماليّة كبيرةبالضغط على الآخرين، لكي يقدّم لناخبيه الأموال والوظائف التي طالما وعدهمبها. وهو يريد جنيها ليس من الصين فحسب، بل من كل الأطراف بمن في ذلكحلفاؤه كالسعودية واليابان والأوروبيين. غير أن كثيراً من الاقتصاديين يؤكدون أن لا أحد يخرج رابحاً من الحروبالتجارية، وخير مثال على ذلك أنّ هذا النوع من الحروب أسهم -إلى حد كبير- في تعميق أزمة الكساد العظيم التي طالت أميركا أواسط ثلاثينيات القرنالماضي. إذ سيؤدي رفع الجمارك إلى ارتفاع كلفة السلع، مما يعني لجوء المستهلك إلىالإحجام عن الإنفاق، أو التوجه نحو شراء المنتج المستورد الرخيص الثمن،وتجنب شراء المنتج المحلي الغالي الثمن، وهو ما سيؤدي إلى تباطؤ السوقوخسارته للأرباح والوظائف معاً. فمثلا؛ يُستخدم الحديد -الذي يريد ترمب فرض رسوم جمركية عليه- في صناعةالسيارات الأميركية، فإذا ارتفع سعر الحديد المستورد بسبب ارتفاع الجمارك،فإنّ كلفة إنتاج السيارات الأميركية سترتفع وبالتالي فإن أسعارها سترتفعأيضاً، الأمر الذي سيقلّل منافسة السيارات الأميركية لنظيراتها المستوردة،وهو ما يعني ضربة مؤلمة لهذا القطاع الحيوي في الاقتصاد الأميركي. الرد الصينيوفي المقابل؛ فإنّ ارتباط الاقتصاد الصيني بنظيره الأميركي أصبح ارتباطاًعضويّاً، إلى درجة أنّ أي إضرار بالاقتصاد الأميركي سيقود إلى خسارة كبيرةللاقتصاد الصيني، وذلك لكون الصين هي أكبر دائن خارجي لأميركا. إذ يبلغ ما استثمرته الصين مباشرة في سندات الخزانة الأميركية 1.17 تريليوندولار، وهي تستثمر -بشكل مكثف- في الشركات الأميركية الكبرى؛ ولذا فإنّخطوة كهذه يترتب عليها توجيه ضربة لأسواق الأوراق المالية الأميركية أولسعر الدولار، لا يمكن أن تقدم عليها الصين حاليا. إنّ ما أعلنته الصين من إجراءات مضادة ليس إلاّ رداً أوليّاً، وأغلب الظنّأنّها ستلجأ إلى عقوبات ذكيّة لا تسبّب ضرراً كبيراً للاقتصاد الأميركي،ولكنّها ستؤثر مباشرة على تلك الفئة من الناخبين التي تساند ترمب، وستضربصورته أمامهم، فهي إذن عقوبات سياسية مغلفة بغطاء تجاري. وربما ستلجأ إلى التقليل من شراء سندات الخزانة الأميركية، بحيث تجعل قدرةالولايات المتحدة -وهي المدين الأكبر في العالم- على الإيفاء ببعضالتزاماتها الداخلية والخارجية، أكثرَ صعوبة. كما أنّ الردود الصينية على القرار الأميركي قد لا تتوقف عند الردالاقتصادي، فمصالح الولايات المتحدة منتشرة في كل مكان من العالم، وخاصة فيقارة آسيا التي تعدّ الفناء الخلفي للصين. ولعل الزيارة غير المعلنة التي قيل إن الرئيس الكوري الشمالي قام بها إلىالصين جاءت للتشاور مع الحليف الصيني بشأن المفاوضات المحتملة مع الولاياتالمتحدة، إذ تسعى الأخيرة إلى إجراء مفاوضات ناجحة مع كوريا الشمالية لكيتضيف نقاطاً هامة إلى رصيد الرئيس ترمب. فهل ستؤيد الصين هذه المفاوضات المنتظرة لتعطي ترمب دفعة مجانية أمامناخبيه؟ أم ستقنع الحليف الكوري الشمالي بالمماطلة والتباطؤ حتى تنقضيولاية ترمب دون أن يحقق شيئاً في هذا المجال؟وإذا كان الاقتصاد شديد الالتصاق بالسياسة إلى هذه الدرجة؛ فهل ستتوقفالأوراق الصينية عند كوريا الشمالية؟ أم ستبدأ الألغام السياسيّةوالاقتصادية بالانفجار في وجه أميركا بمناطق أخرى من العالم -مثل أفريقياوأميركا اللاتينية- بتشجيع من الصين؟لا شك في أنّ الحرب التجارية -التي بدأ ترمب في إشعالها- لن تتوقف نيرانهاعند حدود البلدين، بل ستمسّ الاقتصاد العالمي برمّته وخصوصاً الاقتصاداتالعربيّة، إذ إنّ أكبر الاقتصادات العربية هي اقتصادات ريعيّة تعتمد علىتصدير النفط والغاز المقوَّمة عقودهما بالدولار الأميركي، فإذا انهارالدولار الأميركي فإنّها ستتلقى ضربة قاصمة. هذا مع العلم بأنّ أسعار النفط قد تراجعت حاليّاً بشكل كبير أضر باقتصاداتهذه الدول وأدى إلى انكماشها، وسط حديث عن إمكانية الاستغناء عن نفطالمنطقة أو تقليل الاعتماد عليه في وقت غير بعيد. وذلك لصالح أنواع أخرى من الطاقة البديلة، أو حدوث انخفاض حادّ في الطلبنتيجة لزيادة الإنتاج الأميركي وتراجع اعتماده على الخارج، وزيادة الإنتاجالروسي الذي سيؤدي إلى تراجع كبير في الأسعار بسبب زيادة المعروض النفطي فيالأسواق. إذن؛ هل سيكون ترمب قد أسقط أول قطعة من أحجار الدومينو في حرب تجاريةعالمية، وما هي إلاّ مسألة وقت حتى تنهار بقية الأحجار؟ أم ستكون هزة عابرةستتجاوزها الصين ولن تؤثر كثيراً على علاقاتها مع أميركا؟ وعلى ما يبدو؛فإن الوقت لن يطول حتى نحصل على إجابة سؤالنا هذا.

الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube