http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

– أحمد العبيدلي:
لفترة مديدة جرى تداول كتاب ديفيد مورجان ”المغول” كأحد أفضل المراجع عن تاريخ هذا الشعب. وحديثاً صدر الكتاب في طبعة إلكترونية جديدة على جهاز الكيندل ليقذف بنفسه في أوساط جمهرة واسعة من القراء والمتلقين.
عاش المغول على أطراف العالم القديم، ثم غزوه وانتشروا وسط مختلف أرجائه. جاءوا من حياة السهول والوهاد القاسية على أطراف الحضارات ودخلوا التاريخ العالمي بطريقتهم الخاصة. وكانت لحروبهم التي شنوها، والقسوة التي اتبعوها في معاملة الشعوب المفتوحة، والمجازر التي ترافقت وغزواتهم أن تشكلت صورة مروعة عنهم في أعين الشعوب التي غلبوها. وظلت تلك الصورة قائمة تغطي جوانب قد تكون أكثر إيجابية في حركتهم التاريخية.
فالمغول هم من أوصل الاقتصاد العالمي، من الصين أوروبا ومن روسيا شمالاً لأطراف الخليج العربي جنوباً، إلى وحدته وقمة أدائه. والمغول هم أول من وحد الصين في التاريخ. وقام أحد أبناء الدولة المغولية بالهند ببناء تاج محل الشهير. ولهم دور في نقل البارود والورق.
حين قامت دولة المغول بالعمق الآسيوي، كانت أوروبا أحد أكثر أجزاء العالم المعروف بعداً عنها. ولم يكن المغول ليشكلوا أحد الأجناس الأوروبية، على أنهم أثروا على تاريخ أوروبا كثيراً، فاتساع إمبراطوريتهم، وترامي أطرافها جعل منها العدو الشرقي الأكبر لأوروبا. وتركت تلك الدولة أثرها على الدين والسياسة والتجارة بأوروبا. وبالطبع لم يرق هذا التأثير إلى مستوى ما كان سيكونه لو أن العواصم الأوروبية قد سقطت تحت السيطرة المغولية. وبانسحاب المغول من وسط أوروبا العام 1242 توقفت المواجهة المباشرة، والحضور القائم ليأخذ التأثير مساراً آخر.
وفي اقتطاف لمورجان يرجح أنه للمؤرخ إدوارد جيبون (1737-1794) يقارن التراجع المغولي مع الهزيمة العربية التي حلت بالجيوش العربية المتقدمة من الأندلس بقيادة عبدالرحمن الغافقي على يد تشارلس مارتيل في معركة الشهداء .732 فبحسب جيبون لو لم يتوقف المد الإسلامي حينها، لكان الإسلام يدرس في أوكسفورد. ولكن تلك المعركة كانت آخر المد الإسلامي، ولم يكن تقدم ذلك الجيش قد بات جزءاً من تحرك عسكري وسياسي وإسلامي شامل ضد أوروبا. كانت الموجة الإسلامية حينها قد وصلت إلى أوجها، ولم تعد تلك القوات تشكل قسماً من زخم هجومي شامل. ولذلك كانت المعركة وانتصار مارتيل يقترب من الرمزية أكثر من الواقعية.
ولم يكن الأمر بالشاكلة نفسها للمغول. لم تكن المقارنة بين سفوح المراعي الآسيوية مع الغابات والجبال الأوروبية لتغري المغول بالتقدم. ولربما لم يكونوا قد فكروا بكيفية للحصول على مساحات واسعة من الحشائش لإطعام الآلاف من خيولهم القادمة من السهوب الآسيوية. ولكنهم وعلى الرغم من ذلك فقد تقدموا حتى وصلوا إلى حدود ألمانيا، ووصلوا البحر الأدرياتيكي، وكانوا على مقربة من فيينا. ولم تكن جيوشهم التي هزمت القوات الصينية والقدرات العسكرية للدول الإسلامية لتتوقع مواجهات أصعب مع الأوروبية. ولو كان التقدم أكثر إصرارا واتساعاً لربما تغير التاريخ الأوروبي لغير رجعة.
ولكن ما أكثر الـ ”لو” في التاريخ.
دراسة المغول
تبقى هناك بعض مسائل يستثيرها الكاتب في محاولته للاقتراب من دراسة المغول عبر الوثائق الأصلية. أولها أن مصادر تاريخهم قد سارت خلف تقدم خيولهم، فباتت الفارسية والصينية هما اللغتان اللتان تحتفظان بتدوينات جيدة عن تلك الفترة ورافقتا عهود السيطرة المغولية حسنها. وقلما تمكن باحث من إتقان اللغتين معاً.
ثم أن الاعتماد على مصادر أعداء المغول هو أمر محفوف بالمخاطر. فالمغولية كانت غير مدونة بأية حال حتى وقت جنكيز خان (1162-1227). وحتى بعد بدايات التدوين بتلك اللغة، بقي تقليد الكتابة والتأريخ حديثاً على اهتماماتها.
وبأية حال فإن وصف ديفيد مورجان للمصادر الفارسية مهم بالنسبة للقارئ العربي بحكم القرب الجغرافي، والخلفية الدينية المشتركة مع المؤلفين الفرس ثم أن التأريخ الفارسي للفترة المغولية هو تأريخ للعلاقات الإسلامية المغولية وأحداث التراجع الإسلامي أمام المد المغولي.
وبالمقارنة مع المصادر الصينية، فإن المصادر الفارسية تأثرت بجو المفاجأة التي حلت بالعالم الإسلامي مقارنة مع الحضارة الصينية مثلاً. فالصينيون، وحتى قبل الاجتياح المغولي الشامل، كانوا قد جاوروا ولمديد من الزمن الجماعات البدوية التي تعيش على أطراف الممالك الصينية المتعاقبة والتي لم تسلم الصين من هجماتهم. ولذلك فإن للتدوين الصيني تفرداً في التأريخ لتلك الفترة.
التأريخ للمغول والمعضلة الدينية
أما في فارس والمنطقة العربية، فقد كان التقدم المغولي المفاجئ للتقسيمات التقليدية القائمة بين دار الحرب ودار السلم والعلاقات بينهما، وحتمية انتصار دار السلم على دار الحرب، أو باختصار شيوع الإسلام بين الأقوام المختلفة عبر توسع حركة الجهاد الإسلامي. لم يكن الفكر الإسلامي مهيئاً لحدوث حركة معاكسة، بدت كأنها حركة ضد التقدم وضد التاريخ وضد، وهذا هو الأهم، الدين. حتى الانكسارات الإسلامية المبكرة في البحر المتوسط والأندلس أمام القوى المسيحية كانت محدودة في الحجم والجغرافيا. وكانت بآخر التحليل لقوم من ”أهل الكتاب”. أما بالنسبة للاختراق المغولي فكان خارج المألوف والمتوقع، وكان كاسحاً وواسعاً وبدا لحين بأنه لا مرد له. ولقد شبه ابن الأثير ما حدث للعالم الإسلامي بمجريات أحداث قوم جوج وماجوج.
وكم كان على المؤلفين، المتدينين بمعظمهم، أن يجدوا إجابات على هذا الاجتياح.
وتتراوح التفسيرات الإسلامية من رؤية الأحداث على أنها من علامات الساعة كما هو الحال عند الجوزجاني وهو كاتب دون ملاحظاته بنهاية عمره وهو بسلطنة دلهي بعيداً عن سيطرة المغول وشهد فظائعهم على امتداد أربعين عاماً. ويقابل ذلك ما دوّنه شاب هو الجويني أحد الذين قدموا لاحقاً وعمل في خدمة المغول ورحل إلى بلادهم. وهو لم يشهد صدمات المغول الأولى، وعاد ليقضي أغلب حياته في خدمتهم. فرأى فيما حاق بالمسلمين من أعمال على أنه عقوبة على ما ارتكبه المسلمين من سيئات. ولكن لم يفته أن يرى بعض إيجابيات في الحضور المغولي. فبتوسع الفاتحين الجدد توسع الإسلام بدوره وانتشر في مناطق جديدة.
إسلام المغول وتأريخ رشيد الدين
اختلف الوضع مع مؤرخ فارسي آخر هو رشيد الدين وأخذ الذين عملوا في خدمة المغول بدورهم، ولكنهم عملوا هذه المرة في ظروف مختلفة تماماً. فإذا حل القرن الثالث عشر الميلادي كان المغول الذين يحكمون فارس والعراق قد مالوا للأخذ بدين رعيتهم، وأعلن إيلخان (1295-1304) تحوله للإسلام بعد تسلمه العرش ليتبعه المغول بعد ذلك. وبهذا التحول زال التناقض الذي كان يحكم وضعية وجودهم على رأس السلطة. فبتبنيهم لدين رعيتهم، عادت فارس والعراق إلى ديار الإسلام. وانعكس الوضع فبدل أن يكون هناك قلق من الإسلام على المغول، بات المغول يقلقون من أن التغير نحو المنظومة الفكرية والدينية الجديدة قد يتهدد هويتهم المغولية. ولذلك طلب إيلخان من رشيد الدين فضل الله الهمداني (13181247) كتابة تاريخ للمغول.
وهو ما قام به رشيد الدين بشكل موسع. فأشار إلى قيام الإمبراطورية المغولية هو بمثابة فتح لعصر جديد في تاريخ العالم، مما يحتم تدوينه. فبدأ تأريخه للقبائل المغولية، وأخذ يتتبع حركتهم عبر طريقة تدوين الحوليات السائدة في التأريخ الإسلامي. ولقد اعتمد على بعض مدونات مغولية لمتابعة البدايات. وبذلك برز تأريخ للمغول كموضوع وليس تأريخ للإسلام وبهامشه الدخول المغولي.
وحتى الصين لم تغب عن الصورة على بعدها الجغرافي فباتت جزءا من الصورة بحكم كونها جزءاً من الإمبراطورية المغولية. وبرز أيضاً اسم قوبلاي خان (1215-1294) وهو حفيد جنكيزخان ومؤسس أسرة يوآن الحاكمة بالصين، وهي الأسرة التي وحدت الصين لأول مرة بتاريخها.
ويمتلئ عمل رشيد الدين بأعمال إيلخان وإصلاحاته. وهو في مجال امتداحه لتلك الأعمال يستثير التساؤل عمّا إذا كانت تلك الإصلاحات بمثل تلك الأهمية فلماذا لم يدم حكم المغول لفارس لقرن آخر. وبالمقابل إذا كان الحكم المغولي قبل إيلخان قد ضربت بأطنابه الفوضي فكيف تأتى له أن يستمر بأية حال. ولكن من المعروف بأن رشيد الدين قد عمل كوزير لإليخان، مما يجعله في موقع يقلق من خلاله على عملية تدوينه التاريخي.
ولكن الرأي الجاري هو أن الإصلاحات التي أتى بها إيلخان لم تطبق بحذافيرها، وأن أهميتها تكمن في عرضها للمظالم وإقرار السلطة المركزية بفارس بوجودها.
أولياتو
خلف إيلخان أخاه أولياتو، والذي ثبت رشيد الدين في موقعه. بل، وإذ استشعر بأن تاريخ المغول بات في مأمن، طلب من وزيره أن يكتب تاريخاً للشعوب التي تداخل تاريخ المغول وتاريخها، فكان عمل رشيد الدين الموسوعي جامع التواريخ، ليضم عروضاً لتواريخ الصين، الهند، الأتراك، والفرس والدعوة المحمدية والخلفاء بل واشتمل حتى على تأريخ للفرنجة وشعوب غرب أوروبا. وبات جامع التواريخ بمثابة تأريخ لشعوب العالم لحينه.
على أن إرثه الضخ لتاريخ المغول هو الذي أحل المصادر الفارسية تلك المكانة في التأريخ للمغول. كان رشيد الدين يعتمد على المصادر المكتوب من تواريخ الأمم، وإن أراد أن يسد فراغاً في النص، فإنه يعود إلى شخصيات مطلعة من تلك الأقوام ليستشيرها. ووسط حضور المغول في مختلف بقاع العالم، لم يستحث وجودهم بروز مؤلف يتعلق بتاريخهم كما جامع التواريخ وعمل رشيد. ولم يكن جهد رشيد منصباً على التأريخ فقط بل كتب رسائل وأعمال فقهية. وقد أضفت كثر إنتاجه إلى استثارة الشكوك حول مدى قدرته على ذلك الإنجاز بوقت كان يشغل فيه وزارة أكبر الإمبراطوريات على وجه الأرض. ويأتي بعض التفسير من مؤرخ معاصر له عني بتأريخ فترة أولياتو وهو قاشاني والذي أشار إلى أنه هو المؤلف الحقيقي لأعمال أولياتو، بينما حصل رشيد بحكم الموقع على السمعة. ولكن مقارنة عمل الرجلين لا يشي بصحة ادعاء القاشاني. وبالمقابل فإن رشيد الدين كان يقول بأنه يؤلف كتابه بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، مما لا يعطيه طويل وقت. ويشير هذا إلى احتمال أن يكون الوزير المؤلف قد استعان بطاقم من المساعدين له بعمله.
التأريخ الأوروبي
يعتمد التأريخ الأوروبي المعاصر للتوسع المغولي بالأساس على أعمال الرحالة الذين توغلوا في الممالك المغولية. فلم يكن لمؤرخي أوروبا الحوليين أن يولوا عناية لأحداث ظل مركز فعلها يتم بعيداً عن أطراف أوروبا. كانت الصين وسهوب آسيا وممالك الهند أبعد كثيراً من القلق والاهتمام الأوروبي في واقع تلك الأيام. ولكن تدافع الأحداث وبالذات الغزو المنغولي لروسيا وبعض شرق أوروبا عام 1237-42 قد اضطر الأوروبيين للاهتمام. وبين أولئك الذين كتبوا مؤرخين لتلك الفترة القسيس ماتيو باريس من سانت أولبانز بإنجلترا.
يتميز تأريخ باريس بأنه كتب معتمداً على كثير من النصوص الأصلية ولاحظ بعض ملاحظات نافذة. فهو مثلاً يلاحظ كيف أثر التوغل المغولي على أسعار مواد مثل السمك في إنجلترا. فإذ تقدم المغول باتجاه الشمال الأوروبي، فإن أسطول البلطيق بقي في سواحله خوفاً من حدوث غزو مغولي لتلك البقاع. واحتفظ باريس بقدر كبير من المرويات التي انتشرت بأوروبا بتلك الأيام لتشير إلى القلق الذي استشرى في أوساط الممالك الأوروبية. وفي تلك المرويات اختلطت فيها الحقائق ومجريات الأمور الفعلية على الأرض مع الأساطير والتوقعات المرجفة البعيدة عن الواقع. على أنه يسجل أيضاً المداولات التي جرت بين الأوروبيين لمواجهة الخطر الزاحف. وباختصار فإن المؤرخين من الشرق والغرب، قد انتقلوا في تدوينهم للاجتياح المنغولي بين الرفض واعتبار بروزه كعقوبة ربانية، إلى التعامل الواقعي مع الأحداث ثم التناغم معها والقبول بها.
ولم يكن هذا بعيداً أيضاً عن التغير الذي طرأ على المغول أنفسهم. ففي بداية تقدمهم كان عسفهم هو أداتهم الوحيدة التي ساعدتهم في شن طريقهم. كانوا شعباً محارباً بالأساس طوروا أساليب الصيد اليومية التي يتبعونها للعيش بأراضيهم إلى أساليب عسكرية لكسر مقاومة البلاد التي اخترقوها.
على أن المغول قدموا بالأساس كشعوب غازية، ولم يحملوا معهم رسالة حضارية أو قضية يرفعونها ويكسبون متبنيها. بل وجدوا أنفسهم بمرور الوقت مضطرين هم أكثر مما اضطر ضحاياهم لاتخاذ موقف. فهم إذ توغلوا في مناطق الاستقرار الصيني، ومروا بالمناطق الإسلامية في شمال الهند، أفغانستان، فارس، والبلاد العربية، توجب عليهم أن يعرفوا أن كسب المعركة لا يعني كسب الحرب. وأن كسب الحرب لا يعني بالضرورة انتهائها، إنما الأمر إلى حين. على أنهم إن أرادوا البقاء في الدول التي وقعت بين أيديهم فلابد لهم من أن يتأقلموا والشعوب التي يحكمونها. فهكذا تبنوا الحضارة الصينية وخلفيتها الثقافية حين وحدوا الممالك الصينية في دولة واحدة. وقبلوا بالإسلام وأقاموا ممالكهم في الهند وفارس. وبهذا الترتيب بدأ إسهامهم في التأريخ البشري يأخذ منحى آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube