http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

منذ يوليو/تموز الفائت، لا يكاد يمر يوم في تركيا دون ورود أخبار عنسقوط قتلى بين أفراد الجيش أو الشرطة أو المسلحين الأكراد في مناطق الجنوبالشرقي، أو تفجير لغم أرضي أو سيارة انتحارية في إحدى المدن، أو غاراتتركية على معسكرات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمال العراق. هذه الصورة المختلفة كليا عن حالة التهدئة التي سادت بين حزب العمالالكردستاني والدولة التركية بين 2013 و 2015، والأكثر تشابها مع تسعيناتالقرن الماضي، كافية لإظهار درجة الخطوة التي وصلتها القضية الكردية فيتركيا، رغم ما أنجزته حكومات العدالة والتنمية المتعاقبة من إصلاحات وماقطعته عملية التسوية الداخلية من أشواط. مشكلة إقليميةبالنظر إلى توقيت نقض العمال الكردستاني الهدنة واستئنافه العملياتالعسكرية فجأة بعد انتخابات يونيو/حزيران 2015 التي أفقدت العدالة والتنميةأغلبيته البرلمانية للمرة الأولى منذ 2002، وعلى هامش تطورات الأزمةالسورية، ثم تصاعد وتيرة عمليات التفجير والهجمات الانتحارية بعد أزمةإسقاط تركيا للمقاتلة الروسية، فلا يمكن إغفال البعدين الإقليمي والدولي فيالأزمة، تأثرا وتأثيرا. ويضاف إلى إشارات العامل الخارجي في التصعيد الحالي تطوران مهمان آخران: الأول، تفعيل عدد من المنظمات اليسارية الهامشية، التي بقيت على مدى سنواتطويلة غائبة عن الفعل والإعلام، في تركيا مؤخرا بعد التوتر التركي الروسي،وبعمليات عسكرية متتالية. الثاني، الإعلان عن تشكيل ما سمي بـ”حركة الثورة المتحدة للشعوب” من عدةفصائل يسارية مسلحة، في مقدمتها حزب العمال الكردستاني، والحزب الشيوعيالماركسي اللينيني، والحزب الشيوعي التركي الماركسي اللينيني، وتنسيقيةالثوار البروليتاريين وغيرهم، لمواجهة ما أسموه نظام التسلط للجمهوريةالتركية وحزب العدالة والتنمية “الفاشي”. حزب العمال الكردستاني الذي حظي ويحظى بدعم سياسي و/أو عسكري من عدة دولإقليمية وعالمية مثل روسيا وألمانيا وإيران وسوريا وإسرائيل وفق الروايةالرسمية التركية، رأى في الثورة السورية وتطوراتها اللاحقة وخصوصا ضعفسيطرة الدولة المركزية على شمال البلاد فرصة تاريخية لتحقيق حلم الأكرادبكيان سياسي لهم في المنطقة، خصوصا مع وجود نموذج إقليم شمال العراق علىهامش أزمة شبيهة هناك. وعليها فيبدو أن الحزب، بشقيه العسكري والسياسي يتداول إمكانية نكوصه عنالعملية السياسية كحل للمشكلة الكردية في تركيا تحت سقف الدولة وسياقالمواطنة الكاملة المتساوية، نحو مشاريع الإدارات الذاتية والحكم الذاتيوربما الانفصال على المدى الإستراتيجي، ولذلك شواهد عدة منها حالة التصعيدالعسكري الفجائية، ودعوات قيادات حزب الشعوب الديمقراطي (الذراع السياسيةللحزب) لإنشاء إدارات ذاتية في تركيا بما يناقض الدستور التركي، ومشاركةبعض برلمانييه في جنازات وبيوت عزاء انتحاريين فجروا أنفسهم في المدنالتركية وقتلوا عشرات المدنيين! هذه التصريحات والمواقف المتواترة من قيادات “الحركة السياسية الكردية” لاتشي فقط بإرهاصات تبدل قرارها الإستراتيجي بخصوص الحل، بل تظهر أيضا عدمحرصها على وضعها القانوني كحزب سياسي كبير يعمل دستوريا تحت قبة البرلمانالتركي، بما يوحي بأن هناك تعمدا لهذا التناقض مع الدستور رغبة في العقابوالحظر بما يعيد تغذية سردية المظلومية الكردية في تركيا، ولذلك أسبابهوأهدافه التي يتوخاها. الحاضنة الشعبيةذلك أن عدوان العمال الكردستاني وحرب الشوارع التي يخوضها لا يلغيانالمظلومية الكردية التي قللت إصلاحات الحكومات التركية المتعاقبة منها دونأن تنهيها تماما، ولذلك تبقى الحاضنة الشعبية للحزب (الطيف الكردي فيالشعب) ساحة للتنافس بين الطرفين باعتبارها محددا رئيسا لمآلات هذهالمواجهة والمشكلة الكردية برمتها. لقد فقد الكردستاني جزءا مهما من حاضنته الشعبية بعد أن رأت أن تصعيده غيرمبرر وتحديدا داخل المدن والأحياء ذات الكثافة السكانية العالية بما رفعكلفة المواجهة البشرية والاقتصادية بعد سنوات الرخاء. ويتبدى ذلك في عدةمؤشرات، أهمها ترك الكثيرين لأماكن سكنهم، وتعاونهم مع القوى الأمنيةالتركية، ورفضهم المشاركة في المظاهرات التي دعا لها حزب الشعوبالديمقراطي، فضلا عن تراجع شعبية الأخير في استطلاعات الرأي بعد أن فشل فيوضع حد فاصل وواضح بينه وبين حزب العمال وظهر وكأنه مجرد ظل سياسي له فاقدلأي استقلالية في القرار. تسعى الحكومة التركية لاستثمار هذه الحالة في مواجهة الحزب، من خلالتأكيدها على التفريق الكامل بين الحزب كمنظمة “إرهابية” وبين المكون الكرديمن الشعب، وعبر التزامها بتسريع ملف إعادة إعمار المناطق المتضررة وتأمينعودة أهلها المهجرين إليها. فيما يعمل حزب الشعوب الديمقراطي على إذكاء روحالمظلومية والثورة لدى الشباب، ويسعى العمال الكردستاني لزيادة فاتورةالدم ليعزز الهوة بين الدولة/الحكومة التركية وأكراد الجنوب، لإعادة كسبالأخيرين إلى جانبه باعتبار أن نسبة لا بأس بها من المسلحين هم من أبناءتلك المناطق. سيناريوهات الحلكل هذه التطورات، وما سبقها من تكديس حزب العمال الكردستاني للسلاح حتىخلال فترة الهدنة وعملية التسوية، أدت إلى أزمة ثقة عميقة بين الطرفين،وخصوصا من جهة الحكومة بالحزب. ترى الحكومة أن الحزب غير جاد بمناداته بين الحين والآخر للعودة لطاولةالمفاوضات وتعتبرها محض مناورات منه لكسب الوقت والتغطية على خسائرهالكبيرة في المواجهات الأخيرة، ولذلك لا تبدو في وارد التجاوب مع هذهالدعوات أو مع الضغوط الممارسة عليها داخليا وخارجيا لوقف العملياتالعسكرية والأمنية وإعادة إحياء عملية التفاوض معه. هنا، تبدو الحكومة أكثر قربا من مقاربة المؤسستين الأمنية والعسكرية وأبعدنسبيا عن رؤيتها السابقة بضرورة الحل الشامل، أي السياسي، الاقتصادي،التنموي، الاجتماعي، الأمني، وهو ما يفسر تصريحات الرئيس التركي في 28مارس/آذار الفائت، حين تحدث عن أن حصيلة المواجهات منذ يوليو/تموز الفائتهي: 355 “شهيدا” من الجيش والشرطة في مقابل 5357 “قتيلا” من “الإرهابيين”،قائلا “المعادلة الآن أنهم يقتلون منا واحدا، فنسقط منهم عشرة”. وكما يعرف حزب العمال الكردستاني تمام المعرفة عجزه عن هزيمة الدولةعسكريا، يدرك صانع القرار التركي أن الحل الأمني لوحده لن يكفي لإنهاءالمشكلة، فقد جُرِّب سابقا عدة مرات ووصل الحال بالكردستاني إلى حالة قريبةمن التفكك والفناء، قبل أن تعيد الظروف له مشروعيته لدى بعض الشباب الكرديفضلا عن الدعم الخارجي. وبالتالي تبدو القيادة التركية اليوم بين نارين، بين مطرقة حزب العمالبأجندته الخارجية وعدم ثقتها بالتزامه المستقبلي بالحل، وسندان عدم وجودشريك كردي آخر ينافسه في القوة والشعبية والشرعية بين أكراد تركيا، ولعلذلك ما يفسر تضارب تصريحات بعض القيادات التركية. ففي حين ألمح رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو إلى إمكانية العودة لعمليةالتسوية في حال عاد الكردستاني إلى أوضاع “ما قبل 2013″، أكد الرئيسأردوغان بكلمات حازمة وحاسمة استبعاد هذا الخيار من حسابات تركيا، حيث قال “ليس هناك ما يمكن الاجتماع من أجله أو التفاوض حوله”، بل ذهب إلى أبعد منذلك حين دعا البرلمان إلى سن تشريعات تتيح مقاضاة من يدعم الإرهاب منسياسيين وأكاديميين وإعلاميين تمهيدا لتجريدهم من جنسيتهم التركية. كل هذه التداعيات الداخلية والتدخلات الخارجية لا تعني أن حكومة العدالةوالتنمية بلا خيار إزاء المشكلة الكردية، بل هي مضطرة لامتلاكه، لأن غيابهيعني فتح الباب على المدى البعيد على تدويل المشكلة وتحفيز سيناريوهاتالانفصال بمختلف مستوياتها، بالتزامن مع خطوات المشروع السياسي الكردي فيالشمال السوري، وهو ما تعتبره أنقرة خطا أحمر لأمنها القومي. تدرك القيادة السياسية التركية مدى حاجتها لبديل عن -أو على الأقل شريك آخرمع- حزب العمال في عملية التسوية رغم صعوبة ذلك خصوصا على المدى القصير،ولذلك تسعى للتواصل مع أطراف مختلفة، منها العشائر الكردية وبعض الأحزابذات التوجه الإسلامي أو المحافظ والشخصيات الاعتبارية ومؤسسات المجتمعالمدني الناشطة في المناطق ذات الأغلبية الكردية. وتعي الحكومة التركية أن التطورات الإقليمية ومفردات العولمة تصعّب منسيناريوهات الحلول المحلية في الأزمات المشابهة، ولذلك فهي مهتمة بدراسةالتجارب المشابهة في دول مثل إيرلندا وإسبانيا وسريلانكا وجنوب أفريقيا،ولذلك فهي على تواصل مع منظمات مجتمع مدني تركية تقوم منذ مدة بزيارات لهذهالبلدان وتشارك في وفودها بغية الاستفادة من هذه التجارب. وإضافة لما سبق التأكيد عليه من أهمية تنفيذ وتسريع مشروع إعادة الإعماروالإسكان في المناطق التي شهدت وتشهد مواجهات عسكرية، يجب على الحكومةالتركية أن تدرك أهمية حزب الشعوب الديمقراطي ومحورية دوره في المعادلة،كحزب قومي كردي ممثل في البرلمان وذي علاقات وطيدة -بل شبه عضوية- معالعمالالكردستاني، بما يؤهله دائما لأن يلعب دور الوسيط بين الطرفين. وعليه، قد يكون من الأفضل لصانع القرار التركي عدم الانجرار خلف التصرفاتالاستفزازية لقيادات وكوادر الحزب بمشاريع القضاء وسحب الحصانة البرلمانيةأو التهديد بسحب الجنسية والوصم بالإرهاب وما إلى ذلك. فالبديل الأنجع هوتشجيع جو الحوار السياسي وسد الثغرات أمام سردية المظلومية ومحاولات العودةللعمل السري في الظلام، والتعامل بحكمة الأب وشفقة الأم الحريصيْن علىابنهما أكثر من نفسه وليس بحرفية القاضي في بحثه عن عقوبات مناسبة لأخطاءمقترَفة. صحيح أن المشكلة الكردية في تركيا تمر بمرحلة صعبة وتبدو على مفترق طرقتاريخي وتحمل مخاطر التدويل والخروج عن السيطرة، إلا أن الفرصة لم تفت بعدعلى تفعيل الرؤية السياسية الحكيمة بعيدة النظر والمستعدة للتضحياتوالتنازلات الصعبة في سبيل الإنجاز التي طالما اتسمت بها سياسات العدالةوالتنمية حتى الآن فيما يتعلق بالقضية الكردية في تركيا.

الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube