http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

يبدو أن الإدارة الأميركية أدركت مؤخرا أهمية اللحاق بقطار أفريقيا السريع،فقررت تبني صيغة منتديات القمة من أجل الوصول إلى عقول وقلوب الأفارقة. ففي الفترة بين 4 و6 أغسطس/آب الجاري استضافت واشنطن أول قمة أميركيةأفريقية، وذلك بعد أن سبقتها في هذا التقليد دول أخرى مثل الصين واليابانوالهند. فما الذي تريده الولايات المتحدة من أفريقيا؟ وما الذي يدفع القادةالأفارقة للسعي والهرولة صوب القوة العسكرية الأبرز في عالم ما بعد الحربالباردة؟ وكيف نفهم ذلك في ظل التدافع الدولي المستميت على ثروات أفريقياوالذي يدشن لمعارك جيل التكالب الثالث على أفريقيا؟يسعى هذا المقال إلى محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال الوقوف علىالأهداف الحقيقية للقمة، ومدى انعكاس ذلك سلبا أو إيجابا على مستقبل النهضةالأفريقية. المخفي والمعلنمن اللافت للانتباه أن الإدارة الأميركية لم توجه الدعوة لأربعة من رؤساءالدول الأفريقية، وهم: الرئيس روبرت موجابي (زيمبابوي) والرئيس عمر البشير (السودان) بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليهما، بالإضافة إلى الرئيسالإرتيري أسياس أفورقي ورئيسة أفريقيا الوسطى كاثرين سامبا بانزا بسببتحفظات الاتحاد الأفريقي. ومع ذلك فقد وجهت الدعوة للمغرب رغم عدم عضويتهفي الاتحاد الأفريقي بحجة أن مشاركته ترتبط بالعلاقات الثنائية مع الولاياتالمتحدة. “يتمثل هدف الأميركيين الأول من القمة في تشجيع التجارة والاستثمار، وهو مايعني إعادة الاعتبار للشعار الذي رفعه الرئيس بيل كلينتون في تعامله معأفريقيا حينما أكد على التجارة بدلا من المساعدات” وقد قرر كل من رئيس ليبيريا وسيراليون إلغاء السفر لحضور القمة بسبب تفشيمرض الإيبولا القاتل في بلديهما. وإذا أخذنا بعين الاعتبار عدم مشاركة بعضالزعماء الأفارقة بأشخاصهم بسبب المرض مثل رئيسي كل من الجزائر وزامبيا، أولأسباب سياسية غير خافية مثل حالة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فإنالقمة تمثل فرصة تاريخية لحشد الجهود من أجل تطوير وتنمية العلاقاتالأميركية الأفريقية وفقا للمنظور الأميركي. وبغض الطرف عن الأهداف المعلنة المتعلقة بوقوف الإدارة الأميركية خلف جهوددعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في أفريقيا، نستطيع الحديث عن أربعة أهدافرئيسية تريدها إدارة أوباما من وراء هذه القمة. يتمثل الهدف الأول في تشجيع التجارة والاستثمار، وهو ما يعني إعادةالاعتبار للشعار الذي رفعه الرئيس بيل كلينتون في تعامله مع أفريقيا حينماأكد على التجارة بدلا من المساعدات. ولعل الدافع الأبرز هنا يتمثل في محاولة اللحاق الأميركي بركب أفريقياالصاعدة، حيث تملك هذه القارة البكر الغنية بمواردها الطبيعية ستة منالاقتصادات العشرة الأسرع نموا في العالم، كما أن الولايات المتحدة تأتي فيأعقاب كل من الصين والاتحاد الأوروبي من حيث معدل التبادل التجاري معأفريقيا. لم يكن مستغربا أن يتم الإعلان في القمة عن صفقات لشركات أميركيةبنحو 14 مليار دولار من أجل الاستثمار في أفريقيا. أما الهدف الثاني فهو ذو طبيعة أمنية وإستراتيجية، إذ لا يخفى أن تحدياتالجماعات المتطرفة مثل بوكو حرام في نيجيريا والشباب المجاهدين في الصومالوإعلان بعض الدول الأفريقية الحرب على الإرهاب مثل كينيا ومالي، تمثلجميعها مخاطر قد تعوق عمليات النهوض الاقتصادي في أفريقيا. وعليه فإنالولايات المتحدة تحاول اغتنام هذه الفرصة لفرض وجودها العسكريوالاستخباراتي في هذه الدول بحجة محاربة الإرهاب. ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى إقامة معسكر للطائرات الأميركية بدون طيارفي النيجر، وتثبيت الوجود الأميركي العسكري في منطقة خليج غينيا الغنيةبالنفط بحجة محاربة جماعة بوكو حرام. ويشير الهدف الثالث إلى دعم الاستمرارية في سياسة الولايات المتحدةالأفريقية، فالرئيس بيل كلينتون أصدر قانون النمو والفرص الأفريقية (اجوا)،أما الرئيس جورج دبليو بوش فقد قدم برنامجه لمكافحة فيروس نقص المناعةالبشرية (الإيدز) في أفريقيا، وعليه فإن الرئيس أوباما الذي ينحدر من أصولأفريقية يسعى هو الآخر لترك بصمته في القارة بعد أن يترك منصبه، وربما يمثلتفشي مرض الإيبولا في غرب أفريقيا فرصة للإدارة الأميركية لتظهر وجههاالإنساني وتقلل من غلواء مصالحها المادية في أفريقيا. وأحسب أن الهدف الرابع والأهم هو احتواء الصين. فقد ارتفعت واردات الصين منالنفط الأفريقي والمعادن الطبيعية على مدى العقدين الماضيين، بالإضافة إلىالاستثمارات الصينية الضخمة في مشاريع البنية التحتية الأفريقية التياجتذبت أكثر من مليون مواطن صيني يعيشون اليوم على التراب الأفريقي. ويبلغحجم التجارة الصينية مع أفريقيا نحو مائتي مليار دولار، مقابل 85 ملياردولار للولايات المتحدة، ويعني ذلك أن الولايات المتحدة تخوض حربا جديدةغير معلنة في مواجهة الصين على الأراضي الأفريقية. الحرب الأفريقية الجديدةعلى الرغم من أن أفريقيا باتت تخوض حروبا في جبهات متعددة مثل الحرب علىالإرهاب والتي تنطلق من شرق أفريقيا وحتى سواحل غربها وصولا لمنطقة الساحلوالصحراء، بالإضافة إلى الحرب على فيروس الإيبولا الذي قضى على مئاتالمواطنين في ليبيريا وسيراليون وغينيا ويهدد سكان الغرب الأفريقي كله، فإنحربا أخرى بدأت تتضح معالمها تدور بين الولايات المتحدة والقوى القديمةوالصاعدة في النظام الدولي من أجل اقتسام الثروة والنفوذ في أفريقيا. “القراءة الواعية لمقاصد ومرامي القمة الأميركية الأفريقية تؤكد أنها خاليةمن أي مضمون حقيقي وتفتقد العمق، كما أنها تعبر عن “موضة” دبلوماسية جديدةلجأت إليها الدول الكبرى في التعامل مع أفريقيا” ويمكن تصور ملامح الحرب الباردة الجديدة في أفريقيا على النحو التالي: محورالدول الغربية والولايات المتحدة في مواجهة الصين. وربما يعكس ذلك الصراعبعض خصائص الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي في أفريقيا زمنالحرب الباردة. وثمة كتابات أميركية وأوروبية متعددة تتحدث عن مخاطر الصعود الصيني فيأفريقيا، حتى ذهب بعضها إلى نعت الصين بالقوة الاستعمارية الجديدة. وعليهفقد أضحت مسألة احتواء النفوذ الصيني في أفريقيا على قائمة “أجندات” السياسات الخارجية الغربية. إن القراءة الواعية لمقاصد ومرامي القمة الأميركية الأفريقية تؤكد أنهاخالية من أي مضمون حقيقي وتفتقد العمق، كما أنها تعبر عن “موضة” دبلوماسيةجديدة لجأت إليها الدول الكبرى في التعامل مع أفريقيا. وعلى الرغم من المخاطر الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة في كثير منأنحاء العالم مثل العراق وليبيا وفلسطين المحتلة، فإن الهاجس الأكبر الذييدفعها نحو الاهتمام المبالغ فيه بأفريقيا يتمثل في خطر التنين الصيني. وعلى صعيد آخر، فإن ثمة تنافسا أميركيا واضحا مع بعض القوى الأوروبيةالتقليدية في أفريقيا مثل فرنسا، وذلك على اقتسام الثروة والنفوذ. ففي يوليو/تموز أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أثناء جولته الأفريقيةتدشين عملية “الهلال الرملي” الرامية إلى الإبقاء على حضور بلاده العسكريوالاقتصادي في منطقة الساحل والصحراء. وطبقا لوزارة الدفاع الفرنسية، فإن عدد أفراد قوة الهلال الرملي سوف يصلإلى نحو ثلاثة آلاف جندي مزودين بمائتي مدرعة وعشرين طائرة عمودية وعشرطائرات للنقل والتموين وست طائرات مقاتلة وثلاث طائرات بدون طيار، وسوفيكون مركز قيادة هذه القوة في العاصمة التشادية نجامينا. ولا يخفى أن هذه المبادرة الفرنسية قد شدت انتباه كثير من الدول التي اكتوتبنيران الجماعات المتطرفة، كما هو الحال بالنسبة لكل من الجزائر وتونس، بلإن بعض الأصوات المصرية طالبت بأن يكون لمصر نصيب في هذا الهلال الرمليالفرنسي الطابع. وعلى أية حال، فإن معالم المشهد الأفريقي باتت تكرر نفس ملامح وسياقاتالتكالب والتدافع الدولي من أجل اكتساب النفوذ والثروة، وأحسب أن هذاالصراع الدولي الجديد قد لا يصب بالضرورة في صالح المواطن الأفريقي. كيف نفسر مثلا غياب الرئيس البشير عن القمة وحضور الرئيس الكيني يوهوروكينياتا على الرغم من أن كليهما متهم أمام محكمة الجنايات الدولية؟ إنهالغة المصالح الأميركية التي تعتبر كينيا دولة محورية في شرق أفريقيا بينمايتم النظر إلى السودان بحسبانه دولة عاصية وراعية للإرهاب، وفقا للفهمالأميركي. ما الذي تريده أفريقيا؟لعل أحد الأهداف الكبرى لمثل هذه القمة تتمثل في محاولة تغيير الصورالنمطية والقوالب الجامدة المرتبطة بأفريقيا في الإدراك الأميركي العام،فكثير من الناس في الولايات المتحدة ما زالوا على اعتقادهم بأن الأفارقةيسكنون الغابات ويتضورون جوعا ويعيشون مأساة العنف والحروب المسلحة. “ما لم ينهض الأفارقة ويحملون على عاتقهم عبء التطور والتنمية فيمجتمعاتهم، لن تجدي مثل هذه المؤتمرات والمنتديات نفعا، ولكنها ستسهم فيتكريس تخلف وتبعية أفريقيا وهذا هو التحدي الأكبر” والعجيب أن صورة الولايات المتحدة عند الأفريقي تحمل معنى إيجابيا، حيثتهفو لها القلوب وتصبو إليها العقول، ومع ذلك فإن القادة الأفارقة يسعونللاستفادة من المبادرات الأميركية ولا سيما في مجال الاستثمار والحفاظ علىالسلم والأمن ومحاربة الأمراض. وقد استطاعت الولايات المتحدة من خلالوجودها العسكري (الآفريكوم) أن تجد لها موطئ قدم في عقر مناطق النفوذالفرنسي التقليدية مثل جيبوتي والنيجر. وتمثل التهديدات التي تسببها الحروب والجريمة والإرهاب في العديد منالمجتمعات الأفريقية تحديا خطيرا أمام زعماء هذه الدول، وعليه فإنهم يأملونبلورة أهداف مشتركة لبناء قدرات وطاقات بلدانهم لمجابهة هذه التهديداتالتي تكون عادة عابرة للحدود ولدفع الولايات المتحدة نحو المشاركة فيعمليات حفظ السلام التي ترعاها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. على أن سؤال “ما العمل” يظل مرتبطا بمسألة النهوض الأفريقي والاعتمادالجماعي على الذات، إذ تظل فكرة المنتديات ومؤتمرات القمة أحد الأدوات التيتلجأ إليها القوى الكبرى لاكتساب عقول وقلوب الأفارقة بما يحقق لها مآربهافي الوصول إلى مصادر الثروة والموارد الطبيعية في أفريقيا. وعليه، فإنه ما لم ينهض الأفارقة ويحملون على عاتقهم عبء التطور والتنميةفي مجتمعاتهم، لن تجدي مثل هذه المؤتمرات والمنتديات نفعا، وإنما ستسهم فيتكريس تخلف وتبعية أفريقيا، وهذا هو التحدي الأكبر.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube