http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

 المؤلف: يفغيني بريماكوف
يعالج الكتاب قضايا مهمة تشغل كل قادة العالم حاليا. ولكي نقدم فكرة عن الهيكلية الداخلية للكتاب ومحاوره الاساسية فسوف نبتدئ بذكر بعض ابوابه وفصوله. نلاحظ انه مقسم الى سبعة ابواب، وكل باب يتفرع الى عدة فصول. الباب الاول يحمل العنوان التالي: شيء وحشي يظهر على المسرح العالمي: انه الارهاب الدولي. وهنا يقدم بريماكوف لمحة تاريخية سريعة عن ظهور الارهاب في اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وكيف انه ابتدأ باغتيال الملوك والرؤساء، بدءا من القيصر الاسكندر الثاني مرورا بمقتل ملك النمسا في سراييفو عام 1914 والذي على اثره اندلعت الحرب العالمية الاولى، وكذلك مقتل كنيدي في عام 1963 ثم السادات عام 1981.. الخ. ولكن الشيء الجديد كليا في ظاهرة أسامة بن لادن وارهاب «القاعدة» هو انه ارهاب متحرر كليا من دعم اي دولة، انه مستقل بذاته ويشكل شبكة اخطبوطية عالمية يصعب الامساك بها او كشفها او ضربها وتحييدها.

ولهذا السبب، يقول بريماكوف، ينبغي ان تتضافر جهود جميع الدول لمحاربة هذه الآفة الرهيبة التي تهدد الناس الآمنين وتصيبهم في يقظتهم او منامهم وتحصدهم بالعشرات او بالمئات، او حتى بالآلاف، هكذا بشكل اعتباطي اعمى.

وعلى الرغم من اشادته بحزم القيادة الاميركية والرئيس جورج بوش شخصيا في ما يخص مكافحة الارهاب الا انه يوجه بعض الانتقادات لهذه السياسة. فهو يرى ان بامكان الغرب وروسيا ان يتعاونا مع الدول العربية والاسلامية من اجل مواجهة الارهاب الاصولي، وبالتالي فلا داعي لمصطلحات من نوع «محور الشر» الذي شمل ايران بشكل خاطئ وظالم في نظره.

لماذا؟ لان ايران كانت في ذلك الوقت قد بدأت تدير ظهرها للمحافظين والمتطرفين وتتجه نحو الزعيم الروحاني العقلاني محمد خاتمي. وكانت قد ملت من الشعارات الثورية والديماغوجية وبدأت تصحو من سكرتها او نشوتها الثورية. فإذا بالرئيس بوش يصنفها في خانة دول «محور الشر»! هذا خطأ سياسي ما كان ينبغي ان يقع فيه ابدا لأن ايران ساهمت في اسقاط نظام طالبان، ومكافحة بن لادن ومنظمته.

ثم يقول بريماكوف إنه ساهم هو شخصيا في اوائل التسعينات في إقناع ليبيا بالتخلي عن دعم الحركات الارهابية وتغيير سياستها بشكل جذري. يقول بالحرف الواحد: «عندما كنت رئيسا للاستخبارات الخارجية ذهبت الى ليبيا بأمر من الحكومة الروسية وقابلت القادة هناك. واستطعت اقناعهم بوجهة نظرنا. وبعد زيارتي قطع العقيد القذافي كل علاقاته مع «الالوية الحمراء» الايطالية، ومع الجيش الجمهوري الايرلندي، ومع جماعة ابو نضال الذين طردهم من الاراضي الليبية. كما وطرد افرادا عربا كان يشتبه في أنهم يقومون بأعمال ارهابية ضد مصر واليمن والاردن.

وبالتالي فمن طريق اللغة العقلانية والمنطقية يمكن ان نتوصل الى نتائج ايجابية مع الدول العربية والاسلامية. ثم يتحدث المؤلف عن قصة حياة بن لادن ويقول إنه يرأس اخطر منظمة ارهابية ظهرت على سطح الارض. وينفي ان تكون منظمته مدعومة من قبل اي دولة عربية او اسلامية ما عدا حكومة طالبان المخلوعة. ويقول إنه عندما شارك في المعرض الاقتصادي الدولي المنعقد في جدة بالسعودية في شهر يناير (كانون الثاني) 2003 استقبله اخو اسامة بن لادن في مقر شركته الكبرى بكل حفاوة وحرارة. وعندما سأله بريماكوف السؤال الحساس: هل لا تزال لك علاقة مع اخيك اسامة؟ اجاب بالنفي القاطع. واردف على الفور: في كل عائلة يوجد شخص ضال فهل من العدل ان نأخذ العائلة كلها وربما البلد كله بجريرته؟

بعدئذ ينتقل بريماكوف في كتابه الممتع والمشوق هذا الى فصل مهم جدا بعنوان: عدوانية الاسلام. حقيقة أم اسطورة؟ والواقع ان هذه النقطة اصبحت تشغل كل ساسة العالم ومثقفيه بعد 11 أيلول (سبتمبر)، وتفجيرات بالي التي حصدت المئات ايضا، وبقية التفجيرات الاخرى.

وهنا نلاحظ ان بريماكوف يتخذ موقفا متوازنا ومعقولا. فهو يقول بما معناه: ان تاريخ المسيحية في مذهبها الكاثوليكي ربما كان اكثر دموية من تاريخ الاسلام. ومع ذلك فلا احد يتهم المسيحية بأنها دين عدواني قائم على العنف من اساسه! ان ضحايا محاكم التفتيش في اوروبا ومحاربة الفاتيكان للفلاسفة والمفكرين وحرق كتبهم، بل حتى اجسادهم، أشياء مثبتة في كتب التاريخ. فلماذا ينصب الاتهام فقط على الاسلام؟ هذا انحراف عن المسيحية كما انه انحراف عن الاسلام، نقطة على السطر.. ولا يمكن ان نأخذ اغلبية المسلمين المسالمين بجريرة قلة من المتطرفين والمتعصبين. ثم ان التوراة مليئة بقصص العنف والمجازر الدموية. ومع ذلك فلا احد يقول إن اليهودية هي دين عنف من اساسها! فقط الاتهام ينصب على الاسلام! ثم يحذر بريماكوف من اطروحة صموئيل هنتنغتون عن صراع الحضارات، ويقول بأنها غير صحيحة، ولو كانت صحيحة لكانت مصيبة كبرى لأننا عندئذ سوف ندخل في حرب شاملة مع مليار ونصف المليار مسلم، بل وسندخل في حرب مع ملايين المسلمين الموجودين في روسيا او اميركا او اوروبا. وهذا مستحيل. فمعظم المسلمين يأخذون بالمناهج العقلانية ويؤمنون بالحوار والتفاعل مع ابناء العقائد الاخرى، وفيهم ملايين المتعلمين والمثقفين واساتذة الجامعات والصحافيين..الخ.

ثم يرد بريماكوف على المتطرفين الغربيين الذين يريدون تشويه صورة الاسلام في مجمله من خلال بن لادن ويكتب فصلا مهما جدا بعنوان: «جذور الارهاب غير موجودة في القرآن الكريم». ويقول إنه اذا ما قرأنا الآيات القرآنية قراءة متأنية وصحيحة، فإننا لا يمكن ان نجد فيها ما يبرر الاعمال الشنيعة التي تقوم بها الجماعات الارهابية كمنظمة «القاعدة» وسواها. صحيح انه توجد بعض الآيات التي يمكن تفسيرها في اتجاه العنف، ولكنها قليلة بالقياس الى تلك الآيات العديدة والغزيرة التي تدعو الى التسامح والغفران والسلام. فلماذا نأخذ بقليله ونترك كثيره؟ الا يخرج بن لادن وجماعته على القرآن والاسلام اذ يفعلون ذلك؟ وحتى الآيات التي يمكن تفسيرها في اتجاه العنف والتشدد يمكن تفسيرها ايضا في الاتجاه المعاكس اذا ما حسنت النيات وفهمنا جوهر القرآن الكريم.

وبالتالي فالقرآن ليس كتاب عنف على عكس ما يتوهم الرأي العام الاوروبي والاميركي، بل حتى الروسي والياباني والصيني على اثر الاعمال الفظيعة التي ارتكبها بن لادن وطالبان هنا او هناك. لنضرب على ذلك مثلا الآية التالية: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين» البقرة الآية 190.

انها دفاعية وليست هجومية، لكن المتطرفين الاصوليين يفسرونها بشكل هجومي. وقس على ذلك بقية الآيات القتالية او الجهادية التي ربما كان بعضها اقوى لهجة. لكن ينبغي ربطها بسياقها. ثم يقولون لك: ان القرآن كله كتاب عنف! بل ان القرآن الكريم يمنع منعا باتا قتل اهل الكتاب، ومع ذلك فإن بن لادن يدعو الى قتل اليهود والصليبيين والاميركان في كل مكان! ألم يخرج على القرآن ورسالة الاسلام بدعوته المتطرفة تلك؟ لنستمع الى الآية التالية من سورة البقرة ايضا: «قولوا آمنّا بالله وما أُنزل الينا وما أُنزل الى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أُوتي موسى وعيسى وما أُوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» (الآية 126).

اما المبدأ الثاني من مبادئ الاسلام، بحسب ما يقول بريماكوف، فهو منع قتل النفس منعا باتا. وهناك احاديث نبوية عديدة تركز على هذه النقطة وتضع المنتحر في منزلة الكافر. وعلى الرغم من ذلك فقد كثرت العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة في الآونة الاخيرة. وبسبب انتشار الجهل والأمية في اوساط عامة المسلمين فإنهم يتوهمون بأن ذلك يتوافق مع مبادئ الاسلام! وهنا تكمن البلية والمصيبة الكبرى. اذن فالمشكلة ليست في الاسلام او في عقيدته وتعاليمه الكبرى وانما في الفهم الخاطئ والمتزمت للاسلام.

ويرى بريماكوف ان الاصولية المتطرفة السائدة حاليا لا مستقبل لها لأن المسلمين بدأوا بالدخول في عصر الحداثة والعقلانية مثلهم في ذلك مثل جميع شعوب الارض. وهم ليسوا اقل ذكاء من غيرهم. يضاف الى ذلك ان العولمة الجارية حاليا وتطور وسائل الاتصالات بين مختلف مناطق العالم سوف يقربان بين الحضارات البشرية المختلفة. وبالتالي فنحن سائرون نحو تداخل الحضارات وتفاعلها مع بعضها بعضا لا صدام الحضارات على عكس ما توهم صموئيل هنتنغتون. ولو كان الامر عكس ذلك لانتصرت جماعة الاخوان المسلمين على جمال عبد الناصر في الخمسينات، ولانتصرت حماس على منظمة التحرير الفلسطينية، او لتسلمت الجماعات الاصولية السلطة في الجزائر والمغرب وتونس والاردن..الخ.

لا ريب في ان الصراع لم يحسم بعد بين القوى التقليدية والقوى التحديثية في العالم العربي والاسلامي. ولكنه سوف يحسم يوما ما لصالح الاخيرة بدون شك. بعدئذ يتوقف بريماكوف عند فصل مهم مكرس للصراع العربي ـ الاسرائيلي. وعلى الرغم من ادانته للعمليات الانتحارية التي تصيب المدنيين الاسرائيليين في الحافلات او الشوارع او المقاهي بشكل عشوائي، الا انه يعتبر ارييل شارون المسؤول الاول عن تدهور الوضع وانفجار العنف. فالرجل نواياه سيئة، وابعد ما تكون عن التعايش والسلام.

ثم ينتقل المؤلف اخيرا الى معالجة الموضوعات التالية: حرب اميركا على الارهاب، اين اصابت واين اخطأت؟ ثم هل نسير نحو عالم متعدد الاقطاب ام احادي الاقطاب؟ ثم مكانة روسيا على المسرح الدولي.

ونفهم من كلامه ان اميركا لن تنجح في حربها على الارهاب، الا اذا تعاونت مع روسيا والاتحاد الاوروبي. ولحسن الحظ فإن التنسيق اصبح وثيقا بين الاجهزة الامنية لهذه الكتل الثلاث الكبرى، كما يقول بريماكوف. ولكن هذا التنسيق ينبغي ان يتواصل ويتوسع اكثر فأكثر. وهو يدعو الى تشكيل «بنك للمعطيات والمعلومات الاستخباراتية» للاجهزة الروسية والاميركية والاوروبية. ويكون هذا البنك مشتركا لدى الجميع. ويبدو ان فلاديمير بوتين كان اول قائد عالمي يتصل بالرئيس بوش بعد ضربة 11 سبتمبر ويقول له: «لقد انتهت الحرب الباردة فعلا اليوم يا سيادة الرئيس. ونحن معك على طول الخط». وكان لهذا الاتصال ابلغ الاثر في نفسية القادة الاميركيين، وقد شكل تحولا او منعطفا كبيرا في السياسة الدولية. ولكن اميركا بعد فترة تردد وتأرجح قصيرة عادت الى صلفها وغرورها، وأرادت الاستفراد بالقرار الدولي باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم. وبريماكوف لا يوافق على هذا التوجه ويقول صراحة بما معناه: لا يمكن لاي قائد روسي سواء أكان بوتين ام غيره ان يصمد في السلطة عشرة ايام اذا ما كان تابعا لاميركا وفرط في استقلالية القرار السياسي الروسي كليا! فروسيا تظل بلدا كبيرا على الرغم من كل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية الحالية، ولها عزتها القومية وشخصيتها التاريخية. كما انها من اغنى بلدان العالم بالمصادر الطبيعية، وبالتالي فتخلفها مؤقت وسوف تنتصر عليه مستقبلا. ولذلك فمن مصلحة اميركا ان ينشأ عالم متعدد الاقطاب لأنه سوف يكون اكثر توازنا واقل توترا. ثم يردف بريماكوف قائلا: اني اتخيل النظام المقبل للعالم على النحو التالي:

1 ـ الولايات المتحدة الاميركية كقوة عظمى مهيمنة الى حد ما. 2 ـ الاتحاد الاوروبي الذي يعادل اميركا من حيث القوة الاقتصادية وربما يتفوق عليها.

3 ـ روسيا التي تظل حتى الآن القوة العسكرية والذرية الثانية في العالم.

4 ـ القوة الاقتصادية للصين، وهي تتزايد بشكل جنوني، وكذلك قوتها العسكرية التي تقوى وتتدعم. ولا ريب في ان الصين سوف تصبح قريبا احد اقطاب النظام العالمي الجديد. لكن متى؟ بعد عشر سنوات ام عشرين سنة؟

5 ـ اليابان التي ما زالت تحافظ على نفسها كأحد اقطاب الاقتصاد العالمي، والتي تنوي ان تترجم ذلك على الصعيد السياسي وربما العسكري.

6 ـ الهند التي تحقق ايضا نتائج ملموسة على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي والتي هي دولة نووية ايضا ولا ريب في ان دورها آت مع الصين او ربما بعدها بقليل. ثم تأتي بعد ذلك دول متوسطة الحجم والاهمية كالبرازيل والمكسيك وباكستان، واندونيسيا، او حتى العالم العربي اذا ما عرف كيف يوحد طاقاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube