http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

 تخطت أهمية زيارة الرئيس السوداني، عمر البشير، قبل أيام للصين تحقيق الأخير، الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية، «نصراً» سياسياً بعد تمكنه للمرة الأولى من التحليق بعيداً عن دائرة الدول العربية والأفريقية، التي اقتصرت زياراته عليها منذ صدور أول مذكرة توقيف بحقه في عام ٢٠٠٩، لتكرس موقع الصين على الساحة السياسية، بعدما فرضت نفسها منذ سنوات رقماً يصعب تخطيه على الساحة الاقتصادية.

فالزيارة التي تمت بناءً على دعوة من الرئيس الصيني هو جينتاو، ما كانت لتتم لولا قدرة بكين على ضمان الحماية السياسية والأمنية للرئيس السوداني عبر الدول التي مرت طائرته في أجوائها، لتمنع أي محاولة لاعتقاله، ونجح نفوذ التنين الأصفر بصم الآذان عن الاعتراضات التي سببتها الزيارة. فانتقاد مفوضية الأمم المتحدة لتوجيه بكين الدعوة للبشير أو حتى الاحتجاج الأميركي ما كان من الممكن أن يثني الصين عن رغبتها في دعوة الرئيس السوداني، وتنظيم استقبال حافل له يتلاءم مع المصالح التي تربط الصين بالسودان، ولا سيما أن الصين تصنف على أنها أكبر شريك تجاري للسودان، فيما يحتل الأخير المرتبة الثالثة في قائمة الشركاء التجاريين للصين في أفريقيا.
وتعدّ الصين أحد أبرز مصدري الأسلحة إلى السودان، في ظل الحظر الذي فرض على بيع أسلحة لهذا البلد بسبب اندلاع أعمال العنف في إقليم دارفور، كما أنها ساعدت الخرطوم على إنشاء مصانع للأسلحة الصغيرة.
والوصول إلى هذه الدرجة من التعاون لم يكن ممكناً لولا النفط. وبعدما أبعدت الحرب بين الشمال والجنوب والصراع في دارفور المستثمرين الغربيين عن النفط السوداني، كانت الصين تقتنص الفرصة لتحصل على حقوق استثمار حقول النفط وتطويرها، بالإضافة إلى الأخذ على عاتقها مهمة بناء أنابيب نقل النفط السوداني من الشمال إلى الجنوب وتطوير الموانئ السودانية بما يسمح بتصدير النفط إلى الخارج، من خلال الشركة الوطنية الصينية للنفط CNPC.
وفي مقابل ذلك، استحوذت الصين على شراء النسبة الأكبر من النفط السوداني لتتراوح التقديرات بين ٦٠ في المئة و٩٦ في المئة، وبما لا يقل عن ٦ في المئة من مجمل احتياجات الصين النفطية.
هذه النسب أيقنت بكين أنها قد أصبحت مهددة منذ تصويت الجنوبيين في شهر كانون الثاني الماضي على الانفصال عن الشمال، ولا سيما أن العديد من حقول الإنتاج تقع في الجنوب، فيما مصافي التكرير وأنابيب التصدير مركزها في الشمال، ما يعني تعطل عملية ضخ نسبة كبيرة من النفط السوداني في حال فشل حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال، والحركة الشعبية لتحرير السودان المسيطرة في الجنوب على التوصل إلى حلول لعدد من القضايا العالقة بينهما، ومن بينها قضية النفط.
ومن هذا المنطلق، حرصت بكين من خلال الاهتمام الذي أحاطت به زيارة البشير، وتحديها الانتقادات الدولية لاستقباله على إيصال رسالة واضحة للرئيس السوداني بضرورة تجنب السيناريو الأسوأ المتمثل في عدم توصل حكومته إلى اتفاق مع الجنوب وتبني السيناريو الأفضل في المدى القصير والمتوسط من خلال التعاون في مجال استخراج النفط وتصديره، وما يستتبعه هذا الأمر من إيجاد حلول لمختلف القضايا العالقة، وخصوصاً الوضع في أبيي واحتواء التوتر في جنوب كردفان.
وفي موازاة ذلك، لم تغفل بكين ضرورة تعزيز تواصلها مع المسؤولين الجنوبيين الذين عبروا أكثر من مرة عن رغبتهم في مراجعة كل العقود النفطية الموقعة من قبل السودان، ومحاولة إرضائهم من خلال تمويل عدد من المشاريع التي تعدّ مصيرية بالنسبة إلى الدولة الوليدة.
واتجهت الصين بأنظارها إلى كينيا، المتوقع أن تتحول إلى الشريك التجاري الأكبر لجنوب السودان، على اعتبار أن الدولة الوليدة مغلقة لافتقارها إلى أي منفذ بحري. فقدمت جزءاً من التمويل لبناء الميناء البحري في لامو والمخطط له أن يتحول إلى بديل لتصدير نفط جنوب السودان في حال فشل السودان وجنوبه في التوصل إلى اتفاق على توزيع النفط، كما وافقت على تمويل بناء خط للسكك الحديد يربط بين مومباسا ثانية أكبر المدن الكينية مع العاصمة الأوغندية كمبالا كجزء من الطريق الذي يربط ميناء مومباسا إلى جوبا عبر أوغندا.
هذه السياسة القائمة على موازنة بكين لعلاقتها داخل الدول التي تشهد نزاعات بما يحمي مصالحها، لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تعتمدها الصين تجاه القارة الأفريقية، ويقف وراءها أكثر من هدف، يتصدرها النفط من دون أن يطغى عليها.
ووفقاً لإحصاءات الوكالة الدولية للطاقة، تخطّت الصين في عام ٢٠١٠ الولايات المتحدة لتصبح أكبر مستهلك للطاقة على الصعيد العالمي، فيما تعدّ ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم.
ونظراً إلى أن أكثر من ٥٠ في المئة من نفطها مستورد، فيما التوقعات تشير إلى أن النسبة سترتفع بحلول عام ٢٠٢٠ إلى ٦٥ في المئة، فإن ضمان أمن الطاقة يعد أمراً حاسماً بالنسبة إلى الاقتصاد الصيني وديمومة نموه المطلوبة لتجنيب البلاد أي اضطرابات سياسية، ولذلك وجدت الصين نفسها مضطرة في إطار تأمين موارد الطاقة لديها إلى البحث عن أسواق جديدة، ومن بينها أفريقيا التي تختزن في باطنها ما بين ٩ إلى ١٠ في المئة من احتياطيات النفط العالمية.
ونجحت الصين على مدى العقود الأخيرة في تطوير علاقتها مع عدد من الدول في القارة السمراء، وخصوصاً النفطية منها، ما مكنها من تأمين نحو ثلث احتياجاتها من النفط من أفريقيا، فيما احتلت قائمةَ أكبر عشرة شركاء تجاريين للصين في أفريقيا في عام 2008 تسع من الدول المنتجة للنفط.
إلا أن النفط لا يمثّل سوى عنصر واحد من الموارد التي تسعى الصين إلى الوصول إليها على نحو متزايد في أفريقيا، ومن بينها النحاس الموجود في زامبيا وجمهورية الكونغو الديموقراطية، والكوبالت في جمهورية الكونغو الديموقراطية وخام الحديد في ليبيريا.
وفي وقت يخسر فيه الآلاف من الأفارقة سنوياً أرواحهم، محاولين الهجرة والبحث عن فرص عمل في أوروبا لتحسين مستوى معيشتهم، تعدّ الدول الأفريقية سوقاً مهمة لتوظيف اليد العاملة الصينية. ويعدّ الصينيون أكبر جالية أجنبية موجودة في القارة السمراء، بوجود ما يقارب مليون صيني.
كذلك نجحت الصين في تعزيز مستوى تجارتها مع الدول الأفريقية لتصبح أكبر شريك تجاري لأفريقيا. وتشير أحدث التقديرات إلى أن حجم التجارة بين الصين وأفريقيا وصل إلى 126.9 مليار دولار في 2010. وفيما تغزو المنتحات الصينية الأسواق الأفريقية، أقدمت الصين على رفع عدد السلع الأفريقية المعفاة من الجمارك من ١٩٠ إلى ٤٩٠ في نهاية عام ٢٠٠٩.
أما على الصعيد السياسي، فتسعى الصين إلى تعزيز نفوذها على الساحة الدولية وفي المنتديات الأممية من خلال كسب تأييد الدول الأفريقية لمواجهة نفوذ الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي من جهة، وعزل تايوان دبلوماسياً في محاولة للضغط عليها للقبول بالتوحيد من جهةٍ ثانية. ونجحت الدبلوماسية الصينية في دفع عدد من الدول الأفريقية لسحب اعترافها بتايوان كدولة مستقلة، بينها ليبيريا وتشاد.
هذا الدور المتنامي للصين في أفريقيا دفع البعض إلى الحديث عن استعمار جديد للقارة السمراء، ومن بينهم وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، التي عبّرت الشهر الماضي من زامبيا، خلال مشاركتها في مؤتمر حول سبل تعزيز التجارة بين أفريقيا والولايات المتحدة الأميركية، عن «قلقها العميق» إزاء علاقات الصين الاقتصادية المتنامية مع أفريقيا، معتبرةً أن مساعدات الصين واستثماراتها في أفريقيا لا تتوافق مع المعايير الدولية للشفافية والحكم الرشيد.
اتهامات أدركت الصين مبكراً أنها ستجد نفسها تواجهها كلما توسعت علاقتها مع القارة الأفريقية، ولذلك سعت إلى احتوائها من خلال تحديدها عدداً من الثوابت في إطار استراتيجية خاصة للتعامل مع القارة السمراء أطلقتها في عام ٢٠٠٦، ومن بينها اعتماد مبدأ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول»، وهو ما جعل العديد من قادة الدول الأفريقية يتدافعون إلى التعاون مع الصين للالتفاف على العزلة التي تفرضها عليهم الدول الغربية.
كذلك سوّقت الصين مقولتها بأن مساعداتها الاقتصادية لا تقترن بشروط سياسية، على عكس المساعدات المالية من المؤسسات النقدية الدولية أو الولايات المتحدة الأميركية، بعدما عمدت إلى تقديم قروض ميسرة للعديد من الدول، في مقابل التوصل إلى اتفاقات مع دول أخرى، إما لخفض ديونها وإما لإلغائها.
وتوضح ورقة بيضاء أعدتها الحكومة الصينية قبل فترة وجيزة أن الحكومة الصينة أقدمت خلال السنوات الماضية على إلغاء ٣١٥ قرضاً لـ٣٥ دولة أفريقية، فيما اقتصرت الديون الملغاة لباقي القارات على ٦٨ قرضاً فقط، فضلاً عن تعهد الصين خلال منتدى التعاون الصيني الأفريقي، بتقديم قروض للقارة الأفريقية بقيمة عشرة مليارات دولار في السنوات الثلاث المقبلة.
كذلك خصت الصين أفريقيا بأكبر نسبة من المساعدات لتبلغ ٤٥,٧ في المئة، توزعت على العديد من المشاريع التنموية من الزراعة، البنى التحتية، المرافق العامة إلى المدارس والمستشفيات. أما المساعدة التقنية والتعاون في مجال العلم والتكنولوجيا مع أفريقيا، وهي مساعدة لطالما رفضت الدول الغربية تقديمها، فأصبحت سبباً إضافياً للتوسع الصيني في أفريقيا، حتى غدت أي مقارنة بين استراتيجية الصين والولايات المتحدة في القارة السمراء تدفع الأفارقة إلى القول «استعمار اقتصادي مع تنمية وتطوير أفضل من استعمار سياسي واقتصادي وتخلف».

الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube