http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

لم يبق من أحمر في الساحة الحمراء سوى الجثمان المحنّط للقائد الشيوعيلينين، الذي لم يعد يجري عند مدخل ضريحه أي تبديل للحرس، بل بات التبديليحصل قرب ضريح الجندي المجهول، كما استحدثت بين هذا الضريح وضريح لينين عندمدخل الساحة كنيسة صغيرة للنذور وإضاءة الشموع، حيث غالباً ما ترى متسولاًأو متسولة عند المدخل لاستدرار عطف المؤمنين والحصول منهم على بضعةروبلات، فيما بات أكثر رواد الساحة المياومين من الرهبان والراهبات. أما السوق التجارية في الساحة الحمراء، التي كان اسمها «جوم»، فقد بقيت علىحالها ولكن زبائنها تغيروا، إذ أضحت سوقاً لكبار رأسماليي البلادوبرجوازيتها، ولا مكان فيها للطبقة الوسطى، فكيف يمكن لمواطن يحصل على حدأدنى للأجور يقارب المئتي دولار أن يشتري قرطاساً من المثلجات بحواليثمانية دولارات.. هنا لا وجود للحقبة السوفياتية على الإطلاق. باتت الرحلة في مترو الأنفاق في موسكو تكلف 40 روبلاً (حوالي الدولار وربعالدولار)، بينما كانت تساوي في الحقبة السوفياتية خمسة كوبيك (حوالي أربعةسنتات بحسب سعر السوق السوداء للروبل اليوم، وحوالي عشرة سنتات بحسب سعرالسوق الرسمي للروبل في تلك الأيام). تغيرت أسماء الكثير من محطات المترو، ولكن معالمها لم تتغير، فقد جعلتالحقبة السوفياتية من محطات المترو مجموعة من المتاحف التي تروي قصص الشعبالسوفياتي وبطولاته وتضحياته، ولذلك تعامل الشعب السوفياتي مع هذه المحطاتكأنها جزء لا يتجزأ من منزله، فحافظ على نظافتها، وهو الشيء الوحيد الذيبقي من الحقبة السوفياتية في المترو إلى جانب بعض اللوحات الزيتيةوالفسيفسائية والتماثيل البرونزية. خلال التجول في محطات المترو، لم نصادف ضابطاً روسياً واحداً من ضباطالجيش، بخلاف الحقبة السوفياتية حين كان الضباط، وحتى أصحاب الرتب العاليةيستخدمون مترو الأنفاق أو حافلات النقل العام خلال ذهابهم إلى عملهم، شأنهمفي ذلك شأن باقي المواطنين. ولكن ذلك لا يعني أن العسكر لم يعد موجوداً في موسكو، بل إن عملية مراقبةبسيطة لشوارع المدينة تشرح الكثير مما يجري فيها. فقد غابت عن شوارعالمدينة السيارات الروسية الصنع، مثل «لادا» و«فولغا» و«موسكوفيتش»، لتحلمحلها أنواع السيارات الغربية واليابانية والكورية، التي يجري تصنيعها فيروسيا بشراكة مع الغرب. وبات ضباط الحقبة الرأسمالية في روسيا من ركابالسيارات الفارهة، بدلاً من وسائل النقل العام. وعلى عكس الحقبة السوفياتية، باتت قلة من المسافرين في المترو تقرأ كتاباً،بل يتسلى السواد الأعظم منهم اليوم بهاتفه الذكي، وطبعاً الأكثر شعبية بينتلك الهواتف الـ«آي فون» الأميركي. في موسكو، تغير أيضاً اسم المتنزه الرئيسي، فتحول من «متنزه الثقافة» إلى «متنزه غوركي»، كما أزيلت مجسمات المنجل والمطرقة، ليحل محلها مجسم لباقاتمن الزهور. أما عند نافورة المياه عند مدخله، فأزيلت كذلك التماثيل الخمسةعشر لنسوة تمثل كل منهن واحدة من الجمهوريات السوفياتية، وباتت مياهالنافورة تتراقص على وقع الموسيقى، وأزيل المتحف الفضائي من المتنزه ونقلالمكوك الفضائي الروسي «بوران» إلى مكان آخر عند أطراف موسكو… لم يبق منالمتنزه إلا الألعاب التي تبيع سلعاً غالية الثمن. أما شارع «الاربات» الذي كان يسمى لدى الموسكوفيين بشارع الثقافة والفنون،فتحول إلى معرض لكل أعمال الأرتيزانا الروسية الباهظة الثمن، وبات البحث عنتمثال معدني صغير للينين بين هذه الأعمال، كالبحث عن إبرة في كومة قش،فيما احتلت الشارع أسماء المطاعم والمقاهي الأميركية مثل «هارد روك كافيه» و«ماكدونالدز» و«ستارباكس». وليس المشهد في مدينة سانت بطرسبرغ بأفضل منه في موسكو، فالقصر الصيفيللقيصر، الذي كانت أخلت السلطة السوفياتية كل محتوياته ونقلتها إلى شمالروسيا قبل سقوط المدينة تحت الاحتلال النازي، وقبل احتراق القصر بالكاملخلال الحرب العالمية الثانية، أعيد بناؤه تماماً كما كان، واستعاد كلكنوزه. فيه، يمكن للزائر أن يرى رسوم الأسرة القيصرية، وأن يشاهد صوراًفوتوغرافية لما كان عليه القصر عند الحريق وبعدما تدمر بالكامل، ولكنه لنير شيئاً ولو بسيطاً يخبر عن الحقبة الواقعة بين الحرب العالمية الثانيةوالمرحلة الراهنة. إذ ينتقل الزائر من صور الأسرة القيصرية ليرى نفسه فجأةأمام صورة الرئيس فلاديــــمير بوتين، وهــــو يـــزور القصر مع رئيسوزرائه ديميتري ميدفيديف وبعض ضيوفه. وفي المسرح الوطني في سانت بطرسبرغ، وقبل بدء عرض الباليه الراقص «بحيرةالبجع»، يوزَّع منشور مقابل عشرة دولارات عن تـــــاريخ إنشاء هذا المتحفالذي يعود إلى العام 1799، ويخبر تفاصيل تطوره وصـــــولاً الى العام 1910،لينتهي الموضوع هناك، وكأننا اليوم في العام 1911. الحقبة السوفياتية غير موجودة في منشورات ذلك المتحف، علماً أنه كان قد دمربالكامل وأعيد بناؤه في تلك الحقبة. أما الكنائس والأديرة، فباتت تزهو أكثر وأكثر بقببها وأيقوناتها الذهبيةعبر دفق الأموال التي تغدق عليها من سلطة رأس المال «القيصري الجديد»، كماعادت إلى دورها التبشيري بعدما كان قد انحصر دورها في الحقبة السوفياتيةبطابعها الأثري التاريخي، وبكونها شاهداً على تحالفها التاريخي مع سلطةالقيصر التي جوَّعت الروس وأفقرتهم. باختصار، يمكن القول إن روسيا اليوم تمارس كل أشكال الإلغاء لسبعين عاماًمن تاريخها، وتحاول استعادة مظهر الإمبراطورية القيصرية الكنسية… بالإمكان تلخيص المشهد بالقول إن روسيا اليوم تفتقد إلى الروح الروسيةالمكافحة الأصيلة التي كــانت تتمثل بحركة الناس، وباتت البلاد كلها محكومةبتحــــالف سلـــطة رأس المال المتوحــــش مع الكنيسة العائدة بكل قوةوبحماية العسكر، ليتحوّل معهما المجتمع الروسي إلى مجرد مجتمعاستـهلاكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube