http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

أثناء الحرب الباردة، كان مصطلح “عِلم الكرملين” يشار إليه لوصف الجهودالرامية إلى فهم ما كان يجري على مستوى القيادات العليا في الاتحادالسوفياتي، بل ووراء الستار الحديدي كله. وكان المتخصصون في دراسة الكرملين يراقبون -بكل طريقة ممكنة- من كان سهمهفي صعود أو هبوط من بين القيادات السوفياتية الأساسية. وكان الاهتمام الأكبر بمعرفة من وقع على وثيقة رسمية، أو من قام بزيارة قبرلينين في الميدان الأحمر عند استعراض العروض العسكرية. وكان كل هذا يسيرا هينا مقارنة بمحاولات فك شفرة النظام في كوريا الشمالية،حيث الحقيقة أشد غموضا. ولنتأمل هنا ما حدث يوم 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي. كان تشوي ريونغ هاينائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية لحزب العمال الكوري حاضرا بوضوح علىخشبة المسرح في الاحتفال بالذكرى الثانية لرحيل “القائد العزيز” كيم جونغإل، في أول احتفال كبير بعد تطهير وإعدام جانغ سونغ ثيك نائب الرئيس الأسبقللجنة الدفاع الوطني. في كوريا الشمالية تشكل رابطة الدم أهمية كبرى، فكل شيء -بما في ذلكالأيدولوجيا والمصالح الوطنية- يأتي في الأهمية تاليا للحفاظ على أسرة كيموقد بدا خطاب تشوي الذي أطلق فيه التهديدات ضد الولايات المتحدة وكورياالجنوبية وكأنه يمهد الطريق لترقيته سياسيا. كان جونغ سونغ ثيك يُعَد وصيا من نوع ما على كيم جونغ أون الوريث الشابلأسرة كيم، وكان من المعتقد أنه الرجل الثاني في النظام، ولكنه كان مدينابمنصبه لزوجته كيم كيونغ هوي الشقيقة الوحيدة لكيم جونغ إل والد الراحل كيمجونغ أون. الواقع أن براعة جانغ -فضلا عن الاستفادة منه كمحاور مع الصين- مكنته منالحفاظ على موقعه، رغم انفصاله لفترة طويلة عن زوجته. ولكن في كورياالشمالية تشكل رابطة الدم أهمية كبرى، فكل شيء -بما في ذلك الأيدولوجياوالمصالح الوطنية- يأتي في الأهمية تاليا للحفاظ على أسرة كيم. والواقع أنإرث “الزعيم العظيم” كيم إل سونغ وولده “الزعيم العزيز” كيم جونغ إل يحددكل القرارات الكبرى. وكنت أعتقد لفترة طويلة أن الممسك الحقيقي بزمام السلطة منذ وفاة كيم جونغإل كان أخته كيم كيونغ هوي وليس أي شخص آخر. وفي ثقافة كوريا الشمالية لا يجوز للنساء تولي المناصب أو الزعامة، ولكنيبدو أنها كانت الوحيدة بين أفراد الأسرة التي يثق فيها كيم جونغ إل،وعندما أقعده المرض كانت هي التي تتخذ القرارات. وكان ارتباطها بالدم بأسرة كيم هو السبب، حتى بعد تطهير زوجها وإعدامه (واحتجاز بقية أفراد أسرته)، وراء احتفاظها بموقفها السياسي، بل قيل إنهاهي التي اتخذت القرار بتطهير زوجها. ورغم أنه من غير الممكن أن نعرف هل كانت هي أيضا التي اقترحت قتله، فليس منالمستغرب أنها كانت تعتقد -مع تدهور صحتها- أنها لا تستطيع أن تترك أسرتهاتحت رعاية زوجها. ولعل الجانب الأكثر إثارة للرهبة في إعدام جانغ هو أن الأمر يبدو كأنه جزءمن نوبة السعار التي حصدت أرواح عدد من كبار المسؤولين والجنرالات. وكانت إراقة الدماء شخصية للغاية، ففي أغسطس/آب الماضي يُقال إن كيم جونغأون أمر بإعدام رفيقته السابقة وأفراد فرقتها الموسيقية رميا بالرصاص،ويُقال إن إعدامهم نُفِذ أمام أسرهم. لم يجعل الإصلاح الأنظمة الشيوعية أكثر إحسانا ورحمة، ولكن كوريا الشماليةالتي ظلت سلوكياتها الأقل قابلية للتنبؤ، ما زالت في عالم الشفقفي أماكنأخرى من العالم الشيوعي، أدينت مثل عمليات التطهير القاتلة هذه منذ فترةطويلة، أولا في الاتحاد السوفياتي من قِبَل خروشوف بعد إدانته لستالين، ثمفي الصين من قِبَل دنغ شياو بينغ بعد رد اعتباره إليه وعودته إلى السلطةأواخر سبعينيات القرن العشرين. صحيح أن هذا “الإصلاح” لم يجعل هذه الأنظمة أكثر إحسانا أو رحمة، ولكنهجلب درجة من الاستقرار والقدرة على التنبؤ بسلوكياتها. أما كوريا الشمالية التي كانت سلوكياتها دوما الأقل قابلية للتنبؤ بينالدول الشيوعية الشمولية، فإنها لا تزال في عالم الشفق. والأمر الأكثر إثارة للانزعاج والقلق هو التساؤل حول ما إذا كانت الصينتنزلق إلى مسار مواز في عهد الرئيس شي جين بينغ، فمنذ حكم دينغ كان هناكتفاهم بعدم المساس بأعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، حتى بعدتقاعدهم. ولكن “شي” استهدف -بحجة معركته ضد الفساد- عضو المكتب السياسي المتقاعد تشويونغ كانغ الذي يُقال إنه الآن تحت الإقامة الجبرية يواجه اتهامات بالكسبغير المشروع، ومزاعم حول قتله لزوجته، بل وأيضا محاولة اغتيال شي. ولعل تركيز الصين منذ دنغ على الحكم بالإجماع لم يجعل البلاد أكثرديمقراطية، ولكنه ساعد على الأقل في منع عودة ظهور طائفة جديدة من الشخصياتعلى غرار ماو تسي تونغ. والسؤال اليوم هو: هل يشكل استهتار شي بهذا الاتفاق الأبدي داخل الحزب خطوةأخرى نحو إعادة خلق حكم الرجل الواحد في الصين، وبالتالي الحكم التعسفيالتام؟في كوريا الشمالية كان الحكم التعسفي -مهما كان مستغربا وعاجزا- هو القاعدةدوما بطبيعة الحال، والآن بعد تطهير جانغ تحولت المسؤولية عن الفشلالاقتصادي في كوريا الشمالية نحو تشوي. ويعيش الآن كل المسؤولين والأشخاص المتصلين به تحت ظل سيف الجلاد، فمنالمؤكد أنه سيتحمل اللائمة عندما تحتاج الأسرة المالكة إلى كبش فداءلمشاكلها المتصاعدة.الفصل الأخير من سلالة كيم ربما بدأ بنوبة قراراتالإعدام الحالية، ولو أن الخاتمة بالنسبة لشبه الجزيرة الكورية وشرق آسيا -على حد سواء- تظل موضع شك إلى حد كبيروقد يؤدي تطهير جانغ إلى تفاقم هذه المشاكل سوءا، فبينما خسرت الصين نقطةاتصال مريحة مع نظام كيم، ربما خسرت كوريا الشمالية القناة الوحيدة التي قدتتمكن من خلالها دعمَ نفسها. فمن غير الممكن أن ينجح حكام كوريا الشماليةفي إنعاش الاقتصاد ما دامت العقوبات الدولية مستمرة، ويبدو من المؤكد أنالعقوبات ستظل سارية طالما استمر النظام في ممارسة سياسة حافة الهاويةالنووية. والآن لم تعد الصين التي كانت بمثابة الشريان الذي يمد أسرة كيمبالحياة، راغبة في تقديم صكّ على بياض.ومن هنا، نستطيع القول إن اليوم الذيسيتعين فيه على كيم جونغ أون وعشيرته تحمل المسؤولية عن الظروف الأليمةالتي تعيشها البلاد يقترب بسرعة، بل وقد يأتي ذلك اليوم بعد وفاة كيم كيونغهوي مباشرة. وإذا كان الأمر كذلك فإن الفصل الأخير من سلالة كيم ربما بدأ بنوبة قراراتالإعدام الحالية، ولو أن الخاتمة بالنسبة لشبه الجزيرة الكورية وشرق آسيا -على حد سواء- تظل موضع شك إلى حد كبير.

بروجيكت سينديكيت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube