http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

تسوتشيا هيديو

تضرب  اليابان مع مجتمعها المتقدم في السن ومعدل المواليد المتراجع، ازمة التراجع في عدد السكان. فقد انخفض عدد الأطفال المولودين في البلاد كل عام منذ عقود. وتشير الإحصاءات الديموغرافية المؤقتة لعام 2019 من قبل وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية إلى انخفاض عدد المواليد بنحو 50 ألفًا عن العام السابق، وصولًا إلى 865 ألفًا، وهي المرة الوحيدة التي تم فيها تسجيل أقل من 900 ألف ولادة منذ بدء حفظ السجلات لأول مرة في عام 1899.

وفي عام 2007، وصلت البلاد إلى مرحلة قاتمة عندما تجاوز عدد الوفيات السنوي عدد المواليد، مما وضع عدد السكان في مسار تنازلي ثابت. وسجلت 1.38 مليون حالة وفاة في عام 2019، وبطرح عدد المواليد، كان الانخفاض العام في عدد السكان اليابانيين حوالي 500 ألف لذات العام. وتم تخفيف هذا إلى حد ما بواسطة انتقال حوالي 200 ألف أجنبي للإقامة في البلاد، مما قلص إجمالي الانخفاض في عدد السكان في عام 2019 إلى 300 ألف.

ولقد أدت الأزمة الصحية الحالية إلى زيادة العوامل المسببة في انخفاض عدد السكان. ومن المتوقع أن ينخفض ​​معدل الخصوبة المنخفض بالفعل في اليابان بشكل أكبر حيث سيجهد الوباء الاقتصاد. وقد أدت قيود السفر التي تفرضها الحكومة بالفعل إلى خفض عدد الأجانب الذين ينتقلون للإقامة بالبلاد بشكل كبير. إذن كل هذه الأسباب مجتمعة، ترسم صورة ديموغرافية قاتمة مرشحة للتزايد.

وليس الوضع أفضل بكثير في الجارة كوريا الجنوبية. ففي عام 2019، بلغ معدل الخصوبة الإجمالي في البلاد، أو متوسط ​​عدد الأطفال المولودين لأي إمرأة خلال حياتها، 0.92. وهذا أقل بكثير من درجة اليابان الضئيلة عند 1.36 ويضعها في المركز الأخير بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

فتحتاج أي دولة الحفاظ على معدل الخصوبة الإجمالي 2.1 للإبقاء على عدد السكان عند مستوى ثابت.

وبعد سنوات من التراجع، انخفضت المواليد أخيرًا إلى ما دون الوفيات في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، مما دفع بالتغير الطبيعي للسكان إلى منطقة سلبية. وانخفض معدل المواليد في البلاد في النصف الأول من عام 2020 بنحو 10٪ على أساس سنوي، مما أدى إلى انخفاض معدل الخصوبة الإجمالي في الفترة من أبريل/ نيسان إلى يونيو/ حزيران إلى 0.84 وعزز مكانة كوريا الجنوبية كدولة يتراجع عدد سكانها. لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحدّ. فوفقًا للإحصاءات الديموغرافية الوطنية، فإن نسبة السكان المسنين، الذين يبلغون من العمر 65 عامًا أو أكثر، في طريقهم لتجاوز نسبة اليابان، حيث تصل إلى 46٪ من إجمالي السكان بحلول عام 2065.

كما تواجه تايوان أيضًا مشاكل ديموغرافية. وللتبسيط، يدور معدل الخصوبة الإجمالي في تايوان حول 1.0، وهو أقل بكثير من مستوى الاستبدال. وفي عام 2019، نما عدد السكان بنحو 2000 شخص، لكن خلال النصف الأول من عام 2020، تجاوزت الوفيات المواليد، التي انخفضت بمقدار 6000 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وفي ظل هذه التطورات، عدل مجلس التنمية الوطني في أغسطس / آب توقعاته حول نقطة دخول البلاد مرحلة الانكماش بشكل أسرع بحوالي مدة عامين، معلناً أن عدد السكان آخذ في الانحدار بعد أن بلغ ذروته عند 23.6 مليون في يناير/ كانون الثاني 2020.

الانعكاس الديموغرافي على التنمية

الرأي السائد هو أن شرق آسيا مقدر لها أن تصبح محركًا للنمو الاقتصادي العالمي، وهي فكرة بدأت مع التطور السريع في اليابان بعد الحرب خلال الجزء الأخير من الخمسينيات واستمرت حتى السبعينيات. وعزز ظهور الاقتصادات الصناعية الجديدة لهونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان، التي يطلق عليها اسم ”النمور الآسيوية الأربعة“ في السبعينيات هذا التصور، وما تلاه من صعود لاقتصادات جنوب شرق آسيا واستيقاظ ”التنين“ الصيني كرمز إلى بزوغ فجر ”القرن الآسيوي“ الذي طال انتظاره.

وفي نفس الوقت الذي أصبحت فيه آسيا مركزًا للنمو، نتج عن الازدهار الاقتصادي تغيرات ديموغرافية ستؤثر بمرور الوقت على الاقتصادات. فيمكن التعرف على ما ينتظر الدول الآسيوية الأخرى، في شيخوخة اليابان وتقلص عدد سكانها. وكان عدد السكان في سن العمل في البلاد، أي الفئة التي اتفق على تراوح أعمار أفرادها بين 15 و64 عامًا، في اتجاه متراجع منذ أن بلغ ذروته في عام 1995، مما أدى إلى نقص حاد في العمالة في عدد من الصناعات. كما أدى الانخفاض غير المنضبط في عدد السكان منذ عام 2008 إلى تفاقم المشاكل، مما ألقى بظلاله على التوقعات الاقتصادية طويلة الأجل للبلاد.

وانتقلت كوريا الجنوبية وتايوان إلى منطقة مماثلة عندما بدأ عدد سكانها في الانخفاض في عام 2020. وقد ينضم إليهما النمران الآسيويان الآخران قريبًا، وجميعهم لديهم معدلات الخصوبة الإجمالية أقل من تلك الموجودة في اليابان ال.

كما شهدت دول الآسيان انخفاضًا في معدلات الخصوبة مع نمو اقتصاداتها. في الجزء السفلي، أقل بكثير من مستوى الاستبدال 2.1، توجد سنغافورة وتايلاند مع معدل الخصوبة الإجمالي 1.14 و1.52 على التوالي. ويقدر كل من وكالة التخطيط الاقتصادي، المجلس الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تايلاند، أنه وفقًا للمعدلات الحالية للتغير الديموغرافي، يسير عدد سكان البلد على المسار الصحيح لبدء انخفاض حاد بمجرد بلوغه ذروته في عام 2028.

التنين الرمادي

قد تبدو الصين بنموها الهائل وعدد سكانها البالغ 1.4 مليار شخص محصنة أمام الضغوط السكانية التي تواجهها المنطقة، ولكن هناك دلائل مبكرة على أن حتى أكبر اقتصاد في آسيا قد تمتد إليه قريبًا أزمة التغيير الديموغرافي. ففي عام 2016، أنهت السلطات الصينية رسميًا سياسة الطفل الواحد التي أدخلت لأول مرة في عام 1979 في محاولة لتحقيق تنمية سكانية أكثر توازناً. ولكن بينما ارتفع معدل المواليد في البلاد بشكل طفيف بعد قرار السماح للأزواج بإنجاب عدد يصل إلى طفلين، سرعان ما انخفض تعداد السكان مرة أخرى وظل في مسار تنازلي منذ ذلك الحين. وفي عام 2019، سجلت الصين حوالي 15 مليون حالة ولادة، وهو أقل رقم مسجل منذ المجاعات الكارثية التي أشعلتها القفزة التقدمية العظيمة لماو تسي تونغ قبل ستة عقود تقريبًا.

تتوقع الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، المنظمة الأكاديمية التي تديرها الدولة، أنه إذا ظل معدل الخصوبة الإجمالي للصين عند المستوى الحالي البالغ 1.6، سيبدأ عدد سكان البلاد في الانكماش قبل نهاية عام 2020. ومع ذلك، شكك خبراء مثل يي فوزيان، المتخصص في أمراض النساء والولادة بجامعة ويسكونسن ماديسون، وسو جيان، أستاذ الاقتصاد في جامعة بكين، في هذه التوقعات، قائلين إنها مفرطة في التفاؤل وتستند إلى بيانات ”مضخمة“. وبدلاً من ذلك، أشاروا إلى أبحاثهم الخاصة التي تشير إلى أن عدد سكان الصين في انخفاض منذ عام 2018.

تتمتع الصين حاليًا بـ ”ميزة السكان“، مما يعني أن عدد السكان في سن العمل لا يزال كبيرًا بما يكفي لتعويض الأثر الاقتصادي لانخفاض معدل المواليد. ومع ذلك، مع بلوغ عدد السكان في سن العمل ذروته في عام 2013 واستعداد أعداد كبيرة من ”جيل طفرة المواليد“ الذين ولدوا بعد القفزة التقدمية العظيمة للتقاعد، تقترب الدولة من فترة ”العبء السكاني“، وهو تطور سيكون له تداعيات اقتصادية خطيرة حيث سيتعين على عدد أقل من العمال إعالة القسم غير المنتج المتنامي في المجتمع.

وسوف يتفاقم هذا الوضع بسبب حقيقة أن الثروة الصينية المكتسبة حديثًا لم تتسرب بعد عبر المجتمع. ويعد الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يزال منخفضًا نسبيًا، حيث وصل إلى حوالي 10200 دولار في عام 2019. (وبالمقارنة، كان الناتج المماثل في اليابان حوالي 40200 دولار). وفي مؤتمر صحفي عقب المؤتمر الوطني لنواب الشعب في مايو/ أيار، صرح رئيس الحكومة الصينية لي كي تشيانغ بصراحة أن 600 مليون صيني يكسبون ما لا يقل عن 1000 يوان صيني شهريًا (أكثر بقليل من 15000 ين ياباني). وهذا يثير الاحتمال الحقيقي بأن قطاعات كبيرة من العمال سوف يتقاعدون من الفقراء، مما يخلق عددًا كبيرًا من كبار السن الفقراء الذين سيحتاجون إلى الدعم من قبل قوة عاملة متقلصة.

فقاعة شرق آسيا

في اليابان، كان ذروة السكان في سن العمل في التسعينيات قد سبقها انفجار الاقتصاد الفقاعي القائم على العقارات. وبالنظر إلى أسواق العقارات في جميع أنحاء شرق آسيا، هناك مؤشرات على أن آليات مماثلة آخذة في التطور بالفعل. واستمرت أسعار الوحدات السكنية في المدن الصينية الكبرى مثل بكين وشنغهاي وشنزن وكذلك في عواصم أخرى مثل سيول وتايبيه في الارتفاع، لتصل إلى مستويات مماثلة لما تم حدث في اليابان خلال سنوات الفقاعة.

وفي كوريا الجنوبية، ارتفعت أسعار العقارات في سيول بنسبة تصل إلى 50٪ في السنوات الثلاث منذ انتخاب مون جاي إن رئيساً. وإدراكًا منها للخطر، اتخذت إدارة مون خطوات للسيطرة على ارتفاع قيم العقارات، ولكنها لم تنجح في ذلك. ويبلغ متوسط ​​سعر الوحدات السكنية في العاصمة الكورية الجنوبية مليار وون (90 مليون ين ياباني)، بينما تبلغ أسعار الوحدات السكنية في منطقة غانغنام الراقية أكثر من ملياري وون (180 مليون ين). وكان للفشل في كبح جماح الأسعار المتضخمة تداعيات سياسية على مون، الذي تراجعت معدلات شعبيته.

وأدت قيم الممتلكات المتضخمة إلى وضع ديون يبدو أنه لا يمكن تحملها. وتُظهر بيانات الربع الأول لعام 2020 من معهد التمويل الدولي أن نسبة ديون الأسرة في كوريا الجنوبية تبلغ 97.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهي الأعلى بين 39 دولة متقدمة. إذا أخذنا في الاعتبار معدل المواليد غير المألوف في البلاد، فهناك شكوك متزايدة حول المدة التي يمكن أن تظل فيها الأسعار عند هذه المستويات العالية مع تقلص عدد السكان الذين يعملون في ظل مثل هذه الديون الضخمة.

كما بدأت التشققات تظهر في سوق العقارات الصيني. ارتفعت أسعار الوحدات السكنية في المدن الكبيرة مثل بكين وشنغهاي وشنزن بما يصل إلى 10 أضعاف متوسط ​​الدخل السنوي للبلاد حتى مع البيانات التي تشير إلى أن هناك أكثر من 50 مليون مسكن فارغ في السوق. وشهد مطورو العقارات، بما في ذلك مجموعة إيفرغراندي العملاقة، التزاماتهم تتضخم إلى مستويات حرجة، مما أثار مخاوف من أن القطاع قد يشهد سلسلة مدمرة من التخلف عن السداد.

وإذا انفجرت ”الفقاعات“ الصينية والكورية الجنوبية كما حدث في اليابان، فإن كل الرهانات قد تتوقف. ومن المحتمل أن يؤدي تداعيات مثل هذا الاحتمال إلى كارثة على النمو طويل الأجل في شرق آسيا، ويضع قيودًا على أحلام المنطقة في الهيمنة الاقتصادية.

الاحتكاك بين الولايات المتحدة والصين كتب رئيس وزراء سنغافورة لي هسين لونغ مؤخرًا مقالًا لمجلة الشؤون الخارجية بعنوان ”القرن الآسيوي المهدّد بالانقراض“ حذر فيه من أن المنطقة يمكن أن تخرج في الجانب الخاسر من المواجهة بين الصين والولايات المتحدة. وتراقب البلدان باهتمام التطورات بين الاقتصادين الأول والثاني في العالم في إعادة رسم استراتيجياتها الإقليمية. ومع ذلك، يجب على الحكومات أيضًا أن تبقي أعينها متابعة للتهديد المتزايد للتغير السكاني، والذي يمثل خطرًا مشؤومًا بنفس القدر على الازدهار طويل الأمد في آسيا مثل العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والصين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube