http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

في الآونة الأخيرة، بات من المعروف أن الولايات المتحدة كانت تحاولالتفاوض مع باكستان على صفقة لتقييد برنامج الأسلحة النووية الباكستانيالذي يشهد نموا سريعا. ويبدو هذا خبرا جيدا؛ فأي تحرك في اتجاه منعالانتشار النووي يبدو خطوة إيجابية. ولكن من المؤسف أن هذه الجهود فيحالتنا هذه أفضت إلى عواقب غير مقصودة بالغة الخطورة. بدأ الأمر برمته الشهر الماضي، عندما نشرت وسائل الإعلام الأميركية تقريراعن قرب الانتهاء من إبرام اتفاق بالفعل. فأولا، ذَكَر ديفد أجناطيوس منواشنطن بوست، على أساس محادثات مع بعض كبار المسؤولين الأميركيين، أنالطرفين توصلا إلى الاتفاق بالفعل بشأن عدد من الخطوات التي ينبغي لباكستانأن تتخذها للحد من اعتمادها على الأسلحة النووية كوسيلة للردع. وبعد بضعةأيام، أكد ديفد سانجر من صحيفة نيويورك تايمز الأمر. وذكرت كلتا الروايتين أن الاتفاق سوف يُعلَن في بيان مشترك عقب اجتماع في 23 أكتوبر/تشرين الأول في واشنطن بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيسالوزراء الباكستاني نواز شريف. ولكن الحقيقية هي أن تلك التقارير الإعلاميةكانت بداية، وليسن نهاية العملية. ” فوفقا لمسؤولين باكستانيين كبار -بما في ذلك سرتاج عزيز، أحد كبار مستشاريالشؤون الخارجية والأمن الوطني- فلم يكن هناك أي اتفاق يجري العمل علىإتمامه عندما ظهرت التقارير الإعلامية. ويبدو أن الولايات المتحدة استغلت وسائل الإعلام لفرض الضغط على حكومةباكستان لحملها على الاستجابة بسهولة أكبر للمناشدات الأميركية للحد منإنتاج الأسلحة التكتيكية والصواريخ قصيرة المدى التي يمكنها حمل هذهالأسلحة. ووضعت هذه التقارير القادة السياسيين في باكستان في موقف حرج، فلم يكنبمقدورهم حقا إقناع المؤسسة العسكرية القوية في البلاد بفرض قيود على تطويرالترسانة النووية التي تمتلكها البلاد. والواقع أن الجهود الأميركية لمتُسفِر إلا عن توسيع الفجوة بين الباكستانيين في ما يتصل بالقضايا الأمنية،وهو الوضع الذي لا يخدم مصالح أي طرف. كان قادة باكستان عازمين على تحويل الانتباه مرة أخرى إلى التدهور السريعفي العلاقات بين بلادهم والهند، وهو التحدي الذي تستطيع الولايات المتحدةأن تساعدهم في مواجهته؛ لذا فعندما تلقوا المسودة الأميركية للبيان الذيكان من المقرر أن يصدر عقب اجتماع أوباما وشريف، ورأوا أنه يركز بشكل يكاديكون كاملا على قضايا نووية، تقرر أن يتجه عزيز إلى واشنطن قبل يوم من موعدذهابه إلى هناك للاتفاق على تعديلات البيان. من منظور باكستان، بدا الأمر كأن مسودة البيان مدفوعة من قِبَل البيتالأبيض. ويبدو أن “مكتب مستشار الأمن الوطني كان راغبا في إضافة إنجاز نوويآخر إلى إنجازات أوباما في أعقاب المفاوضات الناجحة مع إيران”، هكذا تكهنعزيز في محادثة خاصة دارت بيننا. ومن منطلق اعتقاده بأن وزارة الخارجيةالأميركية لم “تزود بالمعلومات الوافية”، طلب عزيز السماح له بمقابلة وزيرالخارجية جون كيري إذا لم يتمكن من الاتفاق على نص البيان مع المسؤولالمعين. من المؤكد أن أجندة الولايات المتحدة كانت تحمل بعض الفوائد لباكستان؛ فسوفتضغط الولايات المتحدة على مجموعة موردي المواد النووية لحملها على إصداروثيقة تنازل لصالح باكستان، كما فعلت مع الهند، حتى يتسنى لباكستان أنتستورد التكنولوجيا وقطع الغيار والمكونات اللازمة لبناء محطات الطاقةالنووية. والواقع أن باكستان تحتاج إلى بناء نحو ست من هذه المحطات، بالإضافة إلىالاثنتين اللتين يجري العمل على بنائهما بالفعل بواسطة الصينيين بالقرب منكراتشي لمعالجة نقص الطاقة، الذي يقدر بنحو خمسة آلاف ميجاواط سنويا. ومعتوجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع في أوائل عام 2018، فإن إحراز تقدمحقيقي نحو حل أزمة الطاقة من شأنه أن يعود بالفائدة على القادة السياسيينفي باكستان. ولكن في مقابل هذا، كان المرجو أن تحد باكستان من عدد الأسلحة النوويةالتكتيكية في ترسانتها، وأن توقف أعمال تطويرها. وعلاوة على ذلك، كان علىباكستان أن تعلق العمل على تطوير الصاروخ “نصر” قصير المدى، الذي أثبتقدرته على حمل أسلحة نووية صغيرة لمسافات من خمسين إلى 75 كيلومترا. كانت الولايات المتحدة تعتقد أن تحويل اهتمام قادة باكستان بعيدا عن تطويرالأسلحة النووية وباتجاه بناء محطات الطاقة من شأنه أن يحد من اعتمادباكستان على الصين للحصول على التكنولوجيا النووية والحد من خطر اندلاع حربتدميرية هائلة في جنوب آسيا، فضلا عن تعزيز الجهود الرامية إلى سد فجوةالطاقة. كان كبار المسؤولين العسكريين يركزون لبعض الوقت على استئصال الإرهاب فيالداخل، وقد أحرزوا بعض النجاحات المبهرة، ولكن الأنشطة التي كانت الهندتزاولها مؤخرا لبناء قاعدة بالقرب من حدودها مع باكستان تسببت في رفع أعلامحمراء في إسلام أباد. وفقا لتصريح مسؤول عسكري باكستاني رفيع المستوى، فإن الهند في سعيها إلىفرض عقيدتها العسكرية “البداية الباردة”، تعمل على بناء ثماني قواعد تعتزمتجهيزها بأسلحة ثقيلة. وتتلخص هذه العقيدة التي وضعت بعد هجوم عام 2001 على البرلمان الهندي فيتحريك القوات الهندية بسرعة لاحتلال نحو ما بين ثلاثمئة وخمسمئة كيلومترمربع من أراضي باكستان في حال تعرضها لهجوم إرهابي آخر، على ألا ينتهيالاحتلال إلا عندما تتنازل باكستان رسميا عن مطالبتها بكشمير وتفكك كلمعسكرات تدريب الإرهابيين العاملة داخل حدودها. وقد شرح المسؤول العسكريالباكستاني أن “الأسلحة النووية التكتيكية من شأنها أن تردع الهند وتثنيهاعن ملاحقة هذه الإستراتيجية”. على هذه الخلفية، كان من الواجب على الولايات المتحدة أن تدرك أن محاولةإرغام باكستان على الحد من قدراتها في مجال الأسلحة النووية سوف تفشل حتما،ولكنها واصلت ضغوطها رغم ذلك. ونتيجة لهذا، ازداد اعتماد باكستان على الصين قوة، ولم يضعف بطبيعة الحال. وبدلا من الحد من فرص اندلاع مواجهة نووية في جنوب آسيا، لم تسفر خطة البيتالأبيض إلا عن صرف الانتباه عن الجهود المبذولة لمعالجة التوترات بينالهند وباكستان. في نهاية المطاف، أكَّد بيان أوباما-شريف على العلاقات بين الهند وباكستان،ولم يشر إلى المسألة النووية. وقد ذكر أوباما كشمير بوصفها قضية لم تحلبعد، في حين ناشد الجميع السعي إلى تثبيت استقرار شؤون جنوب آسيا. ووفقالعزيز، كانت باكستان راضية بالبيان الختامي، ولكن ربما لم تشعر الولاياتالمتحدة بالقدر نفسه من الرضا.

بروجيكت سينديكيت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube