http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

إن قضية الأقليات المسلمة في دول جنوب شرق آسيا ينبغي أن يتمَّ تناولُهابشكل مختلف؛ ويَرجع ذلك إلى أسبابها متعددة الجوانب، النابعة من وجود هذهالأقليات بين أغلبية من البوذيين والنصارى. هناك تغيرات حقيقية تَحدُث في دول جنوب شرق آسيا منذ فترة، فبينما يحتلالنجاح النسبي الذي حقَّقته المنطقة في مجال التنمية الاقتصادية الصدارة،بدأت البِنية الاجتماعية لهذه الدول في التغير، وبينما يتحدَّث العالم فيمختلف أنحائه عن (التقلص) الاقتصادي والمجتمعي، نرى هذه المنطقة تَفرِضنفسها في الوقت الراهن كبديل بما تمتاز به في العديد من المجالات، والقوىالغربية التي كانت قد وصلت إلى هذه الأراضي في عصر الاستعمار، تسعى إلىتعزيز موقفها من جديد في ظل الظروف الراهنة بإستراتيجيات مختلفة، ولا شكأننا سنشهد في الفترة القادمة بشكل أكثر كثافة مزيدًا من الصراعات بين هذهالقوى التي تتبارى في توجيه هذه التغيرات لمصالحها الشخصية. إلا أنه هناك موضوع يجب الانتباه إليه في إطار هذه التطورات، ألا وهو قضيةالأقليات المسلمة، وحقيقة المشكلات التي تتعرَّض لها هذه الدول التييُمثِّل المسلمون جزءًا ليس بقليل من تَعدادها السكاني بسبب ما يحدث،لنتركْ هذا جانبًا الآن، حيث ينبغي تناول قضية الأقليات المسلمة من بُعْدمختلف بجوانبها المتعددة النابعة من وجود هذه الأقليات وسط أغلبية بوذيةونصرانية، فمناطق مثل: (باطاني) في تايلاند، وجزر (منداناو) في الفلبين،و(أراكان) في ميانمار، تتراءى على صعيد الأحداث من حين لآخر نتيجة لهذهالتغيرات، وهناك أيضًا مناطق في سريلانكا وتيمور الشرقية وباباو وكامبودياتُناضِل فيها الأقليات المسلمة من أجل الحياة، وهذه الأقليات ينبغي أننأخذها في الحسبان هي الأخرى حتى لو كانت في مناطق لا تَبرُز للأعين؛ كونهالا تُعَد مناطق “للصراعات”. ويَجدُر بنا الوقوف على هذه التعددية بمختلف تفرُّعاتها، فمن ناحية يلفتالانتباهَ عدمُ قدرة هذه الدول المعنيَّة على حلِّ مشكلاتها على مرِّ عشراتالسنوات، وعدم إبدائها أي رد فعلٍ، ووقوعها في هُوَّة الحَيرة والتذبذببشأن النيَّة في إيجاد حلول، أو اتخاذها خطوات تُجاه هذه الحلول، ومن ناحيةأخرى التنافس المستمر بين القوى المختلفة داخل مجتمعات الأقليات المسلمةالمذكورة، وبخلاف هذين العنصرين إذا نظرنا إلى هذه القضية من المنظورالعالمي، نجد أن هناك محورين ينبغي تسليط الضوء عليهما: أحدهما: تأثُّر هذهالدول بالعناصر الغربيَّة، والآخر: هو أساليب تعامُل المؤسسات العالميةالإسلامية المفترَض أنها تتولى مسؤولية الحماية والإشراف على الأقلياتالمسلمة. وهذه البِنية بعواملها المتعددة تَعمل على استمرارية القهر الذي يتعرَّضله الأطفال والنساء يوميًّا في خضمِّ الحياة، وفئة العمال الكادحين والشبابالمحروم من التعليم، وفرص العمل في مجتمعات الأقليات المسلمة، وبينمايُناضِل هؤلاء من أجل البقاء في “أوطانهم الأم”، هناك الكثير من الأزواجوالإخوة يلجؤون إلى الهجرة؛ بهدف العثور على مخرجٍ للنجاة، ويُفنون أعمارهمفي أعمال غير آدمية في بلاد الغربة، وفي سبيل ماذا؟ في سبيل إرسال مايتبقى من مرتباتهم التي لا تتعدَّى بضع المئات من الدولارات إلى أقربائهم،كما تلوح أمامهم إمكانية استقدام باقي أقاربهم إلى الدولة التي يقيمون فيهاإذا سنحت لهم الفرصة كخيط أخير من الأمل يَربِطهم بالعالم الخارجي. من الواضح أن ما يحدث من مشكلات يتعدَّى فكرةَ النضال من أجل الحصول علىحقهم من عدمه، إلى معنى البقاء والكينونة نفسه، ومن هذا المُنطلق نرى أنهناك زعماء الكثير من الدول في بعض المناطق – ولا سيما الدول التي يُمثِّلفيها المسلمون الأغلبية السكانية – يُرجعون مشكلات مسلمي المنطقة إلىتخلُّفها الاقتصادي فحسب، ويذكرون أنه يمكن تغيير قَدَرِ المسلمين الذينيُمثِّلون الأقليات من خلال مجموعة من برامج التنمية الاقتصادية المتعاقبة،وهذا بلا شك إن لم نَصِفه (بالخيانة) فهو على الأقل تقليل من شأن القضية،وفي هذا النقطة تحديدًا ينبغي طرح سؤال: “ألم تكن هذه المجتمعات الإسلاميةهي الفئة التي ضحَّت بها القوى الاستعمارية من أجل مصالحها الاقتصادية فيفترة ليست ببعيدة من التاريخ؟”. إن القوى الغربية سعتْ قبل ذلك لإدراج شعوب المنطقة، وكذلك القيمةالاقتصادية للأقليات المسلمة هناك، ضمن الاقتصاد العالمي بما أسَّسته منأنظمة حُكم على تلك الأراضي التي استعمرتها، والآن تتجدَّد المساعي ذاتهالنَفْس القوى، ولكن ضمن أطر مختلفة، والحقيقة أن هناك شكوكًا حول ما إذاكانت آراء ومقترحات الشعوب في مناطق المسلمين التي تسعى للحياة في سلام فيمجالات مثل: التعليم والثقافة والدين والبنية الاجتماعية وآليات الإدارة،بجانب الاقتصاد الذي تودُّ الجماهير التي تعبِّر عن هذه الشعوبِ طرحَه علىمائدة الاتفاقيات – تحصل على الدعم الذي تستحقه أم لا، ومن المعروف أنالدعم الذي يمكن ذِكره في هذا الصدد في هذه المجالات أو الانطباع بوجود هذاالدعم هو في الواقع ممنوح من أنظمة الدول التي تستضيف هذه الأقلياتالمسلمة، وهي تعلم أن هذا الدعم (سيؤتي ثماره)، إذًا ينبغي أن يتخذ فيالحسبان ما إذا كانت النيَّة الحقيقية لهذه الدول التي تُشارِك في العديدمن جهود السلام المتعلقة بهذه الأقليات هي “تخفيف آلامها” حقًّا، أم أنالمكاسب الاقتصادية التي حقَّقتها القوى الغربية دون مجهود تهدف إلىالسيطرة على موارد المنطقة، سواء في باطن الأرض أو فوقها في مراحل قادمةتَعقُب مساعيها الافتراضية للحصول على السلام حاليًّا؟ أما إذا كان القضيةهي فعلاً هذه الأقلية وتنمية الأوضاع الاقتصادية لمسلمي هذه الأقلية،فينبغي أن نطرح كذلك قضية تركهم مضطرين لتحمُّل ظروف اقتصادية واجتماعيةشاقة في تلك البلاد التي يقيمون فيها بصفتهم (عمالاً مهاجرين). من المهم معرفة القوة التي يُمثِّلها مَن يَبرُز في الآفاق باسم الأقلياتالمسلمة ويلعب دورًا في مساعي السلام، أما القوى التي لا تسمح بتشكلالمجتمع المدني، فهي تواجِه عائقًا حقيقيًّا في قضية الأقليات المسلمةومشاكلها، والتي تعد ميدان المجتمع المدني نفسه، والقوة التي تتمتَّع بهامؤسسات المجتمع المدني في بلدان المنطقة معلومة، فجزء كبير منهم هو مؤسساتتؤدي دورها باسم الحكومة / الدولة في (المواقف الصعبة)، التي تَبرُز فيهابشكل يؤيِّد سياسات الدولة، وعلى هذا ليس محتملاً أن تكون هذه المؤسساتالتي تتحرَّك بأمر الدولة، وتقف بأمرها – قادرةً على التوافق مع مسيرةالاستقرار. ومن المؤكد أن (تذكرة) المجتمع الدولي ببقاء هؤلاء الناس على قيد الحياةوسط كل هذا الكم من المشاكل، وكذلك بقاؤهم تحت رحمة منظمات حقوق الإنسانالغربية والمؤسسات الحكومية – من الموضوعات المؤرِّقة للغاية، إذًا يمكنناأن نبدأ في العثور على إجابة للسؤال التالي: “ما هي المبادرة الحقيقية التينحتاجها؟”.

القدس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube