http://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

حملت آخر انتخابات تركية في حزيران/يونيو الماضي مفاجأة كبيرة بعدتراجع حصة حزب «العدالة والتنمية» في البرلمان من قرابة ٪50 في انتخاباتعام 2011 إلى ٪40.6، وهو ما اعتبر فشلا للحزب يمنعه من تشكيل حكومة لوحده،كما اعتبر تباشير انتهاء مرحلة كبيرة من سيادة الحزب ذي الاتجاه الإسلاميبدأت عام 2002 بعد حقبة طويلة اتسمت بالانقلابات العسكرية والفضائحوالأزمات المالية. استلام «العدالة والتنمية» السلطة أعلن بداية حقبة قاد خلالها الحزب عمليةكبرى لتحسين الاقتصاد التركي، ولكن الإنجاز الأكبر الذي قام به كان اشتغالهالاستراتيجي على ملفات خمسة: الأول هو مصالحة تركيا مع تاريخها وهويتهاالثقافية الإسلامية، والثاني هو مصالحة تركيا مع العالم العربي الذي تعرّضتعلاقاتها معه إلى هبوط مديد، والثالث مصالحة الاتجاه الإسلامي مع الأسسالعلمانية التي قامت عليها الجمهورية التركية، والرابع البدء بإجراءاتالمصالحة بين القوميتين التركية والكردية، والخامس السعي إلى المصالحة معأوروبا التي اتجهت تركيا نحوها بهدف الانضمام إلى سوقها المشتركة. انعكست آثار الثورات العربية بشدة على تركيا، فاهتزّت أعمدة الملفات التيأسست نجاحات تركيا الحديثة، فعبور اللاجئين السوريين الذين قاربواالمليونين وضع عبئاً كبيراً على أنقرة وساهم في انخراطها الوجودي المباشرفي الشأن السوري، فيما أدى تزايد خطر تشكيل فرع حزب العمال الكردستاني فيسوريا لكيان كردي إلى ارتفاع مدّ الشكوك التركية بالأكراد، وتبع ذلك تصاعدخطر تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي نقل حربه السورية إلى داخل الأراضيالتركية، وانقلب الجيش المصري على جماعة «الإخوان المسلمين» وزج برئيسهاالمنتخب محمد مرسي وقياداتها وعناصرها في السجون، وهي أحداث تاريخية كبيرةخلخلت عملياً الأركان التي نجح حزب «العدالة والتنمية» في إقامتها، فاهتزّتالعلاقات مع الأكراد وانقلبت إجراءات التسوية معهم إلى حرب دامية جديدة،وتنامى العداء المصري التركيّ، وبدأت جموع اللاجئين بالهجرة إلى أوروبا،وتزايدت الخلافات بين الاتجاهات السياسية التركية، فشنّت الحملات الإعلاميةوالسياسية الهائلة ضد «العدالة والتنمية» وإردوغان، كما تعرّض الحزب لضغوطأمريكية لإلزامه بأجندة واشنطن السياسية، وكذلك لتهجمات وحملات شرسة منبعض الدول العربية والإقليمية ضده. مع ثبوت أرقام النتائج التي أعلنت أمس فوز «العدالة والتنمية» بأكثر من ٪49من الأصوات فإن ذلك سيؤثر بالتأكيد لا في تركيا فحسب بل في المنطقةوالعالم، وسيعيد إلى إردوغان (الذي قد يعاود، على الأغلب، المضيّ في مشروعهلتغيير الدستور وجعل النظام رئاسياً تنفيذياً) قدرته على معالجة الملفاتالسياسية المهتزّة، وسيعتبر، تاريخياً، تكليفاً قوميّاً له بإخراج البلد منأزماتها التي تهدد وجودها. في عام 1921 طلب مصطفى كمال، الذي كان وقتها المفتش الأعلى للجيش التركي (بعد هرب وزير الحربية إلى برلين)، من المجلس الوطني التركي صلاحيات مطلقةلمدة ثلاثة أشهر لتهيئة البلاد لحرب شاملة لخوض حرب ضد هجوم يونانيّ كبيرسيطر على إزمير واتجه نحو أنقرة لإنهاء الدولة العثمانية. النتيحة أن كمال تمكن من النجاح عسكريا وسياسيا وأدى ذلك لوضع مقوّماتتركيا التي كانت مهددة بالانفراط بعد الحرب العالمية الأولى. فوز «العدالة والتنمية»، يشبه، إلى حدّ ما، التفويض الذي منحه الأتراكلمصطفى كمال في عشرينيات القرن الماضي، حين كان هذا الوجود مهددا، وإذا لمتكن تركيا الآن مهددة في وجودها، كما كانت عام 1921، فإنها مع ذلك تواجهأسئلة سياسية كبرى، قد تؤدي الأجوبة الخاطئة عليها إلى تهديد هذا الوجود. هل ينجح «العدالة والتنمية» في إعادة البوصلة السياسية التركية إلى اتجاههاالصحيح؟

القدس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube